عن عقيدة ترامب في الشرق الأوسط

  • الجمعة 2018-01-12 - الساعة 10:47
بقلم: محمد ياغي

في كتابه «نار وغضب: من داخل البيت الأبيض»، تحدث مايكل وولف بإسهاب عن طريقة تفكير الرئيس الأميركي، ترامب، فيما يتعلق بكيفية حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وولف يقول: إن السياسات القديمة للبيت الأبيض تجاه القضية الفلسطينية تبدو معقدة جداً للرئيس ترامب؛ لأنها قائمة على حسابات كثيرة تتعلق بعدد هائل من الاحتمالات التي على الإدارة الأميركية أن تأخذها بعين الاعتبار عندما تقرر سياساتها: 

مصالحها، التهديدات المحتملة التي قد تنتج عن اتخاذها هذا الموقف أو ذاك، الحوافز التي يمكن تقديمها لأطراف الصراع لإقناعهم بقبول موقفها، وقدرتها على رؤية تطور علاقاتها مع هذا الطرف أو ذاك في حالة الانحياز لسياسات محددة.

بالنسبة لـ «ترامب»، يقول وولف: الشرق الأوسط أبسط بكثير مما اعتقدته الإدارات الأميركية السابقة. 

في الشرق الأوسط، يقول وولف: ترامب لديه قناعه بأن هنالك ثلاثة أنواع من الدول موجودة فيه: دول قوية يمكن التعامل معها، دول قوية لا يمكن التعامل معها، دول أو كيانات ضعيفة يمكن تجاهل مواقفها أو التضحية بها.

الدول القوية الثلاث التي يمكن التعامل معها هي: إسرائيل ومصر والعربية السعودية.

الدولة القوية التي لا يمكن التعامل معها هي إيران، وباقي الدول والكيانات العربية هي ضعيفة ويمكن إهمال رأيها أو التضحية بها.

الحسابات وفق هذا التقسيم لدول الشرق الأوسط غير معقدة: الدول القوية الثلاث التي يمكن التعامل معها لديها مصلحة مشتركة وهي إضعاف الدولة القوية (إيران) التي لا تستطيع أميركا التعامل معها.

وبما أن مصالح الدول الثلاث تلتقي على إضعاف إيران، يقول وولف: إن ترامب يعتقد أن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أسهل بكثير مما يعتقده البعض، لأن هذه الدول بإمكانها أن تفرض الحل على الفلسطينيين والأردنيين وعلى كل الدول والكيانات الضعيفة الأخرى في الشرق الأوسط؛ لأن مصالحها المشتركة أهم من مصالح الآخرين. 

هذه هي جوهر «عقيدة» ترامب والتي يمكن تعميمها على أماكن أخرى في العالم: الدول القوية يمكنها اقتسام العالم، والدول الضعيفة عليها أن تقبل أو تندثر.
وفق هذه الرؤية، طبيعة وطريقة الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليست مهمة. 

ما هو مهم هو أن الدول القوية الثلاث عندما تتفق، وهي في تقديره متفقة، فإن بإمكانها أن تتوصل لحل لهذا الصراع وأن تفرض هذا الحل على الفلسطينيين. 

الحل قد يكون دولتين، إعادة أجزاء من الضفة للأردن وإعادة غزة لمصر، دولة واحدة، أو القبول بالواقع الحالي كما هو مع تغير في طبيعة مهام ووظيفة ومسمى السلطة الفلسطينية.

هذا التبسيط و»التسخيف» لطبيعة القوى الفاعلة في الشرق الأوسط تبنى عليه الآن سياسات أميركا في هذه المنطقة الأكثر تعقيداً في العالم.  
هذه السياسات تقول: إن الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين والسوريين ليسوا أطرافاً في أي حل للصراع مع إسرائيل.  

وتقول أيضاً: إن قضايا الوضع النهائي التي طالما تحدث عنها الفلسطينيون، مثل: القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين، ليست في نظر ترامب ذات قيمه لأن الاتفاق عليها لن يكون مع الفلسطينيين، بل بين الدول الثلاث التي يمكنها أن تفرض على الفلسطينيين قبولها.

هذا التسخيف للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في عقيدة ترامب، فيه العديد من الإشكالات الجوهرية:

أولاً: مصالح الدول «القوية الثلاث» التي يعتقد ترامب أن بالإمكان جمعها مع بعض لفرض حل على الفلسطينيين ليست مصالح مشتركة حقيقية. مثلاً، لا توجد مشكلة بين مصر وإيران. العربية السعودية إذا شاءت بإمكانها أن تحل مشاكلها مع إيران من خلال الحوار وأن تحمي أمنها دون أن تتورط في حروب معها. إسرائيل ليس من مصلحتها أن تكون هي رأس الحربة في أي حرب مع إيران، وهي تريد من أميركا ترامب أن تقوم بهذه المهمة نيابة عنها مثلما فعل بوش مع العراق.

ثانياً، الشعب الأميركي لا يريد التورط في حروب بالشرق الأوسط، وقادة الجيش الأميركي يعلمون أن أي حرب على إيران ستكون حرباً بامتداد الشرق الأوسط وتكاليفها ونتائجها ستتجاوز بكثير الحرب على العراق. 

ثالثاً، الصين وروسيا وعدد كبير من الدول ممن لهم مصالح بالشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج تحديداً، لن يسمحوا بحرب في تلك المنطقة.

رابعاً، الدول والكيانات الضعيفة لا يمكنها أن تخوض حروبا تقليدية والانتصار فيها، لكن يمكنها أن تفشل أي مشروع للحل لا يحقق مصالحها. يكفي أن تقول هذه الدول والكيانات «لا» لأي مشروع لا يرضيها حتى تسقط شرعيته، وبالتالي القدرة على تمريره.

خامساً، ليس من مصلحة العربية السعودية ومصر أن يتم فرض حل للصراع مع إسرائيل على حساب الفلسطينيين. ماذا ستكسب هذه الدول من القيام بذلك؟ 

إقناع إسرائيل بأن تقدم لها «رأس إيران» مقابل التنازل عن حقوق الفلسطينيين مثلاً؟!

الكل يعلم أن إسرائيل عاجزة عن القيام بذلك، ولو كانت قادرة عليه لما انتظرت كل هذا الوقت.  

بشكل مختصر، عقيدة ترامب فارغة من أي مضمون يمكن بناء سياسات عليه لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي تعبر عن شخص أحمق، ضحل التفكير وجاهل بحقائق الشرق الأوسط والقوى الفاعلة فيه، وستؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين إسرائيل من فلسطين وتعقيد الصراع معها، دون أن تحقق الدول العربية أي مكاسب سياسية على الجبهة الإيرانية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات