القضية الفلسطينية في مهبّ ترامب

  • الخميس 2017-12-07 - الساعة 10:38
بقلم: د.علي الجرباوي

قام الرئيس ترامب بفعلةٍ قد يكون قد رغب عدد من سابقيه القيام بها، ولكن لاعتبارات الحسابات السياسية أحجموا عنها، وذلك بأن أعلن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل. على السطح، قد يُظنّ أن ترامب اتخذ هذا القرار الخطير للإيفاء بوعد قطعه على نفسه أثناء خوضه غمار الحملة الانتخابية، أو لأنه يريد استرضاء اللوبي الصهيوني المؤثر سياسياً في واشنطن، أو لمجرد كونه شخصاً نزقاً ومتهوراً تقوده نوازعه وأحاسيسه لرغبة القيام بما هو خارج المألوف في السياسة الأميركية التقليدية.

يُخطئ من يظن أن قرار ترامب مجرد نزوة رغائبية ونزعوية الطابع. فمع أنه قد يحمل بعضاً من هذه السمة، إلا أنه، وبدون أدنى شك، قرار مؤسساتي مدروس ومحسوب، يُعبّر عن التزام سياسي-سياساتي أميركي راسخ وعميق تجاه إسرائيل، كياناً ووجوداً. وعند التمحيص في العمق، يمكن إيراد ثلاثة مدخلات قد تكون هي التي أدت بترامب لاتخاذ هذا القرار الآن.

أولاً، يجدر عدم إغفال تحيّز ترامب العميق لإسرائيل، والتزامه الشديد بصونها وحمايتها وتحقيق أهدافها، كدافع رئيسي وراء هذا القرار. يخطئ من يظن أن ترامب مجرد رجل أعمال، متحرر من العقائد، وبلا مبادئ، لا يقوده سوى الرغبة أو القدرة على عقد الصفقات الرابحة، ما يعني إمكانية أن يكون محايداً تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. فتصريحاته، بكافة أشكالها، تُنبئ بغير ذلك، والفريق الذي اختاره للعمل في هذا الشأن أكبر دليل على ذلك. فالثلاثة أشخاص الأساسيين في هذا الفريق يهود صهاينة مؤيدون علانية لإسرائيل وللاستيطان. وبالتالي، فإن مصلحة اسرائيل، بالنسبة لهم، أساسية، وتلبية مطالبها ضرورة وأولوية. 

وثانياً، أن هذا القرار يمكن أن يكون قد أتى نتيجة مشاورات خفيّة مع نتنياهو، إما تلبية لطلب مباشر منه، أو من أجل تسهيل مهمة إقناعه، وتحصيل قبول حكومته اليمينية، على ما يسميه ترامب بــ "صفقة العصر" لتسوية الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، والتي يتضمنها مشروع "السلام الإقليمي" الذي يسعى الرئيس الأميركي لعقده بين العرب، وخصوصاً الدول الخليجية، مع إسرائيل. فهذه "الصفقة" التي يُعدّ للإعلان عنها أميركياً خلال فترة قادمة وجيزة لا بد وأنها تشتمل على بنود لا تحظى بموافقة الحكومة الإسرائيلية الحالية. ومن أجل تذليل المعارضة الإسرائيلية المتوقعة، يُقدّم ترامب لإسرائيل بهذا القرار دفعة تشجيعية مسبقة، وذلك بتلبية أحد أهم المطالب التي طالما سعت لتحقيقه، وهو الاعتراف بالقدس موحدّة وعاصمة لها.

وثالثاً، أن الإدارة الاميركية وصلت إلى استنتاج، وبالتأكيد بعد الفحص والتدقيق، أن هذا القرار لن يُكلّف ترامب، أو الولايات المتحدة، ثمناً باهظاً لا يُمكن احتماله. فالتداعيات المتوقعة من الأوساط المعارضة على اتخاذ هذا القرار، من العالمين العربي والاسلامي، ومن بعض الدول الأوروبية تحديداً، لن ترتقي إلى مستوى الخطورة، بل سيكون مقدوراً التعامل معها والسيطرة عليها من قبل الإدارة الأميركية. فالمعارضة الرسمية التي تبدّت حتى الآن كانت خجولة، ضعيفة، ومستكينة، ولم تخرج عن نطاق النمطيّة في ردّ الفعل المتوقع من المناشدة والتعجب والشجب والاستنكار. ولا يُتوقع أن تتطور هذه المعارضة الشكلية لاحقا باتجاه اتخاذ أية خطوات عملية ضد الإدارة الاميركية. أما بالنسبة للاحتجاجات الشعبية فمن المتوقع أن تكون، كسابقاتها، موسمية تستمر لفترة قصيرة وتنتهي. لقد تم تربيط المصالح بين الإدارة الاميركية الحالية والعديد من عواصم المنطقة لدرجة أصبح معها ترامب حرّاً طليقاً يستطيع أن يفعل ما يشاء. وتُرك الشعب الفلسطيني ليواجه ليس فقط الضغط الاسرائيلي، وإنما وابلاً من الضغوط الوافدة عليه من أطراف كانت فيما مضى مساندة وداعمة.

نحن أمام واقع جديد، دولي واقليمي، يترك الفلسطينيين منكشفين في مواجهة الأخطار المحدقة بهم وبمصير قضيتهم، ليس فقط في مواجهة هذا القرار، وإنما بما سيتأتى عليهم مستقبلاً في "صفقة القرن" التي يتم حالياً إنهاء التفاهم بشأنها مع العديد من الأطراف. هذه "الصفقة" عندما ستُعلن ستكون قد استحصلت على الكثير من الموافقات، وسيصبح الفلسطينيون حينها في مهبّ ترامب، فإما يقبلون بها، أو يُتركون لمواجهة واقع مرير، مع تحميلهم كامل المسؤولية عن "تضييع الفرصة" والتخلف عن الاشتراك برسم ملامح "الشرق الأوسط الجديد".

"المكتوب يُقرأ من عنوانه"، وعنوان "الصفقة" هو قرار ترامب المتعلق بالقدس، وهو قرار خطير ويُنذر بالشؤم القادم والتداعيات السلبية التي ستحيق بنا في الأشهر القادمة. في مواجهة هذا الوضع، قد تأخذنا العزة بالإثم، كما كان حالنا في الكثير من السوابق، فنستسهل تسييل المواقف البلاغية على اتخاذ الخطوات العملية. ويبدأ مسلسل اطلاق التصريحات واصدار البيانات من مختلف الأطراف والأوساط الفلسطينية للإعلان عن أن الولايات المتحدة لم تعد "وسيطاً نزيهاً" ( وكأنها كانت في يوم من الايام كذلك!) يمكنه الاستمرار في تولي مسؤولية ملف التسوية، وتصدح المطالبات بوقف الاتصالات مع الإدارة الأميركية. وعندما يتم ذلك، إن تم، يُعلن عن تحقق الانتصار!

 ولكن هل يكفي هذا الاجراء وحده لتحصين الموقف الفلسطيني، وهل سيؤدي فعلاً إلى حدوث تحوّل وتغيير على السياسة الدولية والاقليمية الحالية؟ الجواب، بصراحة، هو بالنفي، والسبب هو أن لا أحد من القوى الدولية الأساسية يريد، أو يستطيع، أن يحمل هذا الملف عن الولايات المتحدة التي ستبقى المسيطرة عليه، والفاعلة الرئيسية فيه. والأنكى فوق ذلك أن المواقف التقليدية للعديد من الأوساط العربية بدأت تتداعى، وأصبحت مصالحها ومواقفها تتماهى مع رؤية الإدارة الأميركية الحالية. لذلك، وبغضّ النظر عن قطع العلاقات والاتصالات مع الإدارة الأميركية، أو الإبقاء عليها، ستقوم هذه الإدارة بطرح رؤيتها للتسوية، وسيكون على الجانب الفلسطيني التعامل مع هذا الطرح سلباً أو ايجاباً. وبالتالي، سنعود حينها إلى نقطة البداية، ما يعني أن إشغال الذات بمسألة قطع العلاقات مع أميركا، أو الابقاء عليها، لن يُشكّل "مربط الفرس"، ولن يكون الجواب المفيد والكافي لما هو آت.

قد يمنحنا إدخال أنفسنا في معركة مع الأميركان، وكل من وراءهم، شعوراً جيداً بأننا قمنا بـ "الواجب" المطلوب، فنتفاجأ بعدها بتلقي صفعة "الصفقة". لذلك، إذا كنا فعلاً جدّيين في صدّ الموقف الصعب المتجه صوبنا، علينا الاستعداد الحقيقي، وليس الشكلي، لمواجهته. هذا يبدأ، ولا يمكن أن يقفز عن ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي بإنهاء الانقسام بكل مسؤولية وجدّية، كي يتم توحيد الجهد الفلسطيني لمواجهة المخاطر التي لا بدّ قادمة. أما الاستمرار في الانشغال بالأمور التي يتم تداولها حالياً في هذا الملف، وتُشكّل إعاقات في مسألة انجازه، فهي لا تنمّ عن مسؤولية وطنية، أو إدراك بفداحة تضييع الوقت والجهد على قضايا، مع أهميتها، لا تشكّل الأولوية الضرورية لبدء الاستعداد اللازم للمجابهة القادمة مع "صفقة العصر".

هذا هو المؤشر الذي تقاس به الجدّية الفلسطينية. فاستمرار الاغراق في الفصائلية على حساب الوطنية الفلسطينية حالياً يفسح المجال أمام القوى المتكالبة علينا للفتك بمشروعنا الوطني، بكل يسر وسهولة. لن ينفع أمام ذلك استمرار التمترس على الانقسام والتراشق بالاتهامات. 

إذا تم اتخاذ خطوات سريعة وفعالة لإغلاق البعد السياسي لملف الانقسام (مع الاتفاق على التعامل مع باقي التداعيات المتراكمة على التوالي)، ستتوفر امكانية للتأثير في مجرى الأحداث القادمة، لأن العالم حينها من الممكن أن يأخذنا على محمل الجدّ. حينها، وفقط حينها، يمكننا أن نطلب من دول أوروبية مهمة، كفرنسا واسبانيا على سبيل المثال، موازنة قرار ترامب حول القدس بالاعتراف بدولة فلسطين، وأن نشُنّ حملة ناجحة مع دول العالم، وفي المؤسسات الدولية، لتثبيت الحقوق الفلسطينية.

الوحدة الوطنية ضرورة قصوى الآن. ولكن يجب أن لا يُظن أن تحقيقها لا يتم إلا ضمن السلطة الفلسطينية، وبالمحافظة عليها. فالأحداث المتسارعة التي تتوالى علينا تفرض أن لا يستمر اعتبار وجود هذه السلطة من المسلمات. بل يجب أن تبقى مسألة التخلي الفلسطيني الطوعي عن هذه السلطة خيارا مفتوحا، قد يأتي الوقت لضرورة ممارسته فعليا للحفاظ على الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني. وبدون التلويح الجدي بهذا الخيار، وممارسته عندما يستحق ذلك، يمكن أن تتحول السلطة إلى أداة طيعّة للغير يتم استخدامها لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني، عوضا عن أن تكون الرافعة الوطنية لتحقيقه.

كل الخيارات يجب أن تبقى مفتوحة أمام الفلسطينيين، وبرسم التنفيذ. عدا عن ذلك ستصبح القضية الفلسطينية في مهبّ ترامب، يطيح بها من خلفه نتنياهو كما يريد.


التعليقات