أنا والكهرباء ورمضان

  • الإثنين 2012-08-06 - الساعة 08:54

 

 
بقلم: د.عاطف أبو سيف
 
الكهرباء صارت أزمة غزة المستعصية عن الحل، وصار يمكن تخيّل حل كل أزمات غزة، على كثرها، دون أن يتم تخيّل حل هذه الأزمة. سنوات كثيرة مرت والحال لا يتحسّن، بل إنه يزداد سوءاً من سنة إلى أخرى. صحيح أن الكهرباء لم تكن في وضع مثالي نموذجي في السابق، لكنها، أيضاً، لم تكن يوماً بهذا السوء، وبالقدر الذي يمكن رمي الكثير من مسببات ذلك على العوامل الخارجية والقوى الإقليمية، فإنه لابد من الجرأة لتحمل قسطنا من المسؤولية عما يحدث. فلا يمكن دائماً أن يكون الاحتلال مذنباً وحده، والقوى الإقليمية والجيران العرب مذنبون وحدهم ونكون نحن الصالحين والقديسين؛ لأننا ببساطة لسنا كذلك، ففي آخر الأمر هذه مسؤوليتنا. 
 
فالإنسان ليس مذنباً تماماً لأنه لم يبدأ التاريخ لكنه ليس بريئاً تماماً، فهو يكمله كما قال (ألبير كامو). وعليه، فنحن نتحمّل قسطاً كبيراً من هذه المسؤولية. هذه الفلسفة للأسف غائبة في كل النقاشات الرسمية حول أزمة الكهرباء وهي معدومة بشكل كامل في كل المواقف الصادرة سواء عن شركة الكهرباء أو سلطة الطاقة في غزة أو حركة حماس المسيطرة على غزة. وإذا ما اجتهد المواطن لكي يفهم ما يحدث وخصص كل وقته لقراءة ومتابعة التصريحات الصادرة عن الجهات ذات الاختصاص، فإنه سيخلص لاتهام كل العالم وربما اتهم نفسه ورفاقه المواطنين، لأنهم مقصرون في أداء واجبهم في الحفاظ على الكهرباء، ولن يرد شيء حول تحمل جزء من المسؤولية من قبل الجهات المختصة. الحاكم مسؤول والقائم على السلطة مطالب بتوفير الخدمة وليس له أن يتعذّر ويختلق الأسباب، فالسلطة مسؤولية، وإدارة حياة الناس أمانة. في الدول المتقدمة وذات النظم الديمقراطية الراسخة يكون مقياس نجاح الحكومات وفشلها مقدار التزامها بتقديم خدمات ذات جودة للمواطنين الذين سيحكمون على جودة هذه الخدمات في أول انتخابات مقبلة، وعليه يكون تداول السلطة والانتقال السلمي للسلطة سمة النظم السياسية الصحيّة؛ لأنه ليس من حق أي حكومة كانت أن تتدعي امتلاك الحقيقة وتعجز عن تقديم الحد اللازم من الخدمات للمواطنين؛ لأن واجب الحكومة هو خدمة الناس وليس حكم الناس؛ لأن هناك من يعتقد بينه وبين نفسه أن دور الحكومة هو حكم الناس وليس خدمتهم، وهذا فهم مغلوط لدور الحكومة ولحاجة الناس للعقد الاجتماعي الذي وحده يصلح ليكون وثيقة الشرف بين الحاكم والمحكوم. لأنه ليس من حق أحد أن يقول في دعايته الانتخابية إنه يريد أن يعمل كذا وكذا وكذا ويقدم وعوداً ورديةً لحياة أكثر جمالاً وإشراقاً وتتحول الحياة بعد استلامه الحكم إلى حالة أكثر سوءاً، وبعد ذلك لا يمتلك الجرأة للقول إنه عجز عن فعل ذلك أو أن ما وعد به كان أكبر من قدراته وربما من ممكنات البلاد، حيث إن بعض القضايا لا يمكن لها أن تستقيم دون الدور الخارجي والتأثير المحتمل لدول الجوار في الإقليم؛ لأنه دون ذلك سنظل في طور السجال والنقاش والمناكفة السياسية التي لن تفيد الناس ولن تساهم في إخراج الحالة الوطنية من النفق المظلم الذي تمر فيه.
 
أعتقد أن الإقرار بالمسؤولية هو المرحلة الأولى نحو البحث عن الحلول. فثمة حلول معقولة وموجودة ويمكن لها أن تسهل مهمة البحث عن حلول أوسع للقضايا الوطنية الكبرى موضع الخلاف. لا أود الخوض في لعبة الأرقام والكميات والمبالغ والسولار ونوعه والحصة المدخلة يومياً. وكل تلك كلمات سحرية تستخدم في النقاشات حول الأزمة، لكن ما أود أن أقره هو حالة القلق التي تنتابني كل مرة أسمع فيها المسؤولين يتحدثون عن الأمر؛ لأنني أشعر بأنهم يستغبونني كمواطن، ويريدون لي أن أصدق حقاً أن الأزمة أزمة لترات بنزين وكميات أو هي أزمة مولدات وغير ذلك، وكأن كل الناس مخطئون في شعورهم الخفي بأن ثمة تسييساً واضحاً للحقائق. لأن أي جرد منطقي للحقائق الغائبة واستحضارها من خلف غبار التهميش سيصفع كل المتحدثين وسيبين للناس الحقيقة. لا يمتلك أحد الحقيقة ولكن ثمة منطقاً يمكن له أن يحكم على جوهر الأشياء. والحكم المنطقي يقول إن ثمة استخداماً سياسياً لأزمة إنسانية. مرة أخرى المواطن لا يهمه الهوية السياسية لعامل شركة الكهرباء، ما يهمه أن لا يصعد هذا العامل إلى عامود النور ليقطعها عنه. هو يحتاج خدمة جيدة ولا يهمه كل منطق الساسة حول هذه الخدمة لأنه يعرف في قرارة نفسه أن ثمة استخداماً وتوظيفاً لهذه الأزمة البسيطة في شكلها الأولي، وتضخيماً لها كي تصبح جزءاً من ماكينة الانقسام. نعم، فالانقسام ماكينة دائمة الإنتاج، وهي مصنع ضخم به عشرات خطوط الإنتاج التي تفرخ الأزمة تلو الأزمة، إلا أن بعض هذه الأزمات لا يمكن لها أن تنتهي، بل يجب أن تستمر وتبقى حتى يكبر الانقسام ويتوالد ويتضخم. إنها علاقة تكاملية لكنها كفيلة بإطالة عمر الانقسام. وعليه يعيش الانقسام ويطول عمره أكثر فأكثر. 
 
الناس بحاجة لحلول عملية واضحة قادرة على إدخال جرعات خفيفة من السعادة إلى نفوسهم. فرمي المشكلة على كواهل الغير وإعفاء أنفسنا من المسؤولية والمحاسبة يعني أننا فعلاً لا نريد أن نحل الأزمة ولا نريد أن تتحسن الخدمة. بلا أدنى شك يجب الإقرار بأن الحلول الجذرية للأزمة أكبر من طاقتنا ومقدرتنا لكن لا يمكن أيضاً أن نتخيل أن الانقسام ومن يريد له أن يطول عمره هو من يعطل تحقيق هذه الحلول الجذرية عبر وأد أي محاولة لإنهاء الانقسام. ربما يصح القول إن أزمة الكهرباء هي التجسيد الحقيقي للانقسام.
 
الكهرباء تشكل أزمة نفسية للناس، فهي تشل حياتهم وتعطل مصالحهم. يمكن للمرء أن يمتحن نفسه ومقدرته على الصمود حين تنقطع الكهرباء فجأة. في الحقيقة هي لا تقطع فجأةً إذ إنك سرعان ما تتعود على جدول انقطاع التيار، بيد أن المفاجأة تحدث لا محالة رغم ذلك، إذ إنك وما إن تتعود على حفظ الجدول وتحاول أقلمة نفسك معه حتى يتم تغيير الجدول. لحظة تنقطع الكهرباء لا يملك المرء أن يقاوم هذا الإحساس بالغضب كأن ثمة ما يُنتزع منه. ويزاد الأمر سوءاً في رمضان، خاصة حين ينقطع التيار الكهربائي وقت السحور أو وقت الإفطار. عليك دائماً أن تصبر وتتغنى ببطولة التحمل لأن ثمة من يقف ليبرر ويرمي الأعذار والقصور على كاهل الآخرين.
 
نقلا عن الايام الفلسطينية
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز