البرلمان الأردني والعرب وقوانين إسرائيل العنصرية

  • الأحد 2017-08-13 - الساعة 10:01
بقلم: د. خالد الحروب


يستحق البرلمان الأردني تحية وإشادة على النشاط والخطوات التي اتخذها إزاء فضح القوانين العنصرية، التي يقرها الكنيست الإسرائيلي، وتمر بهدوء تحت مستوى رادار انتباه أحد هذه الأوقات، بسبب توالي الأزمات والانفجارات في المنطقة. 
بحسب ما نقلت تقارير إخبارية فقد أرسل رئيس مجلس النواب عاطف الطروانة رسائل إلى رؤساء جمعيات برلمانية دولية في أوروبا وآسيا وإفريقيا والمتوسط، رصد فيها إقرار الكنيست ما مجموعه 156 قانوناً ومشروعاً تمييزياً عنصرياً، تستهدف تكريس الوضع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، وتعاقب الأسرى الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب معهم، فضلاً عن معاقبة المنظمات الحقوقية التي تتابع شؤونهم. 
الخطوة الأردنية مهمة وفي وقتها، لكن يجب أن تتبعها خطوات، وأن تتحول إلى حملة دولية متواصلة تهدف إلى كشف السياسات والقوانين العنصرية المُدهشة التي يتم اتخاذها من قبل حكومة تدعي الديمقراطية والتحضر، وفي زمن يُفترض فيه سيادة قيم المساواة والمدنية ودحر العنصريات بأنواعها، وما عاد فيه بالإمكان إخفاء أي شيء. 
الشيء المُذهل الآن هو التسارع الكبير في ترجمة العنصريات السياسية والخطابية والدينية في إسرائيل إلى عنصرية قانونية وتشريعية تعكس سيطرة مزاج اليمين المتطرف وعنصرية خطاباته، ومن دون أن يكون لهذا التسارع رد فعل عالمي أو حتى عربي يكبح جماحه. 
الخطابات العنصرية الإسرائيلية من قبل سياسيين ومسؤولين كبار في الحكومات المتعاقبة ضد الفلسطينيين والعرب أكثر بكثير من أن تُرصد في مقالة واحدة. وهي تصريحات تثير حتى حنق العديد من اليهود التقدميين الذين يرصدونها في مواقعهم وكتاباتهم. واحد من هذه المواقع رصد خلال الفترة الأخيرة عينة من هذه التصريحات، والتي صدرت عن مسؤولين ووزراء في حكومة نتنياهو (وليس عن زعماء المستوطنين الأكثر عنصرية والذين قد تتملص إسرائيل من تصريحاتهم بزعم أنها لا تعبر عن رأي الحكومة). 
ونقرأ من هذه التصريحات ما يلي: موشيه يعالون وزير الدفاع (السابق) يصف الفلسطينيين بالسرطان ويتوعد بأنه قد يستأصله إن فشل العلاج بالكيماوي. الحاخام إيلي بن داهان وهو نائب لوزير الدفاع ومسؤول الإدارة المدنية في الضفة الغربية شبه الفلسطينيين بالحيوانات، وقال: إن أرواح اليهود دائماً في مرحلة أعلى من الأغيار. إيليت شاكيد وزيرة العدل (... نعم وزيرة عدل!) طالبت بقتل أمهات الفلسطينيين لأنهن ينجبن أفاعي وليس بشراً! تصريحات أخرى من وزراء كررت أوصافاً تحقيرية بحق الفلسطينيين والعرب وكذلك الأفارقة المهاجرين إلى إسرائيل الذين وصفوا أيضاً بأنهم سرطان. 
كل ذلك يعكس عنصرية قائمة على فكر عنصري واستعماري يذكر بأسوأ مراحل ومراتب العنصرية البيضاء. المُدهش مرة أخرى أن هذه التصريحات وقائليها هم وزراء في حكومة ينظر لها الغرب بكونها الأكثر تحضراً ودمقرطة في المنطقة. ليس هناك أي مبالغة في القول: إن أي مقارنة بين هذه الخطابات العنصرية المتعصبة مع خطاب «داعش» الدموي والمتعصب تقود إلى نفس النتيجة. الداعشية الإسلاموية الهمجية التي رعاها البغدادي لها نظير قوي في الداعشية التي يرعاها نتنياهو وحلفاؤه من دولة اليمين الاستيطانية، لا فرق بين الاثنين. 
من هنا تأتي أهمية الخطوة الأردنية التي يجب أن تكون بداية حملة سياسية وقانونية وإعلامية تلقي الضوء على العنصريات المباشرة والمستبطنة ليس فقط في السياسة والإعلام الإسرائيليين، بل وأيضاً في القوانين والتشريعات. ومن المؤمل بألا يتوقف البرلمان الأردني عند خطوة إرسال رسائل إلى البرلمانات العالمية، بل يتبعها بجهد وخطوات متواصلة تتضمن التواصل مع برلمانات عواصم البلدان الكبرى مباشرة وإرسال وفود إليها. والمهم أيضاً في الخطوة الأردنية أنها جاءت بعد اجتماعات الاتحاد البرلماني العربي في القاهرة وفي سياق تكليفه البرلمان الأردني بإعداد تقرير حول تلك القوانين العنصرية، أي أن هناك سياقاً عربياً يستقوي به مجلس النواب الأردني وبحيث يكون الجهد في هذا الاتجاه موحداً وباسم العرب. وفضلاً عن كشف هذه القوانين أمام البرلمانات العالمية يجب أن تمتد الحملة المأمولة لتشمل المنظمات الأممية والقانونية والحقوقية وكل عناوين المجتمع المدني المعولم المضاد للعنصرية. كما بالإمكان بل يجب تأطير مثل هذه الحملة ضمن المبادئ العالمية العامة التي أقرتها الأمم المتحدة ضمن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أنواع التمييز العنصري في ستينيات القرن الماضي، ووقّعت عليها دول العالم بما فيها إسرائيل، وغيرها من الاتفاقيات العالمية العديدة.  
من حق الشعوب العربية المقهورة، والمغلوبة على أمرها في معظم أمورها، على برلماناتها، سواء أكانت حقيقية التمثيل أم صورية، أن ترى جهداً يعبّر عن ضميرها الجمعي وموقفها الحقيقي تجاه عدوانية وعنصرية إسرائيل. تعلم هذه الشعوب وتدرك مرارة ميزان القوى الراهن والتفكك العربي المريع وانحدار قضية فلسطين عن جدول الأعمال العربي. لكن رغم ذلك تتبقى مساحات للعمل ولمناصرة الفلسطينيين ولو بالحد الأدنى، ومنها العمل في الساحة القانونية الدولية. 
لا يمكن لإسرائيل ولا يجب أن تفلت بكل ما تقوم به من استمرار في احتلالها الاستيطاني وتوسيعه ومن جرائم وحصار ضد مليونين من الفلسطينيين في قطاع غزة، والآن تضيف إلى ذلك كله جرائم سن القوانين العنصرية على مرأى ومسمع العالم جميعاً. وإذا كانت الإدارات الأميركية، وعلى رأسها إدارة ترامب الحالية، والدعم الغربي المتواصل لإسرائيل قد وفر الحماية الدبلوماسية المطلوبة لإفلات الدولة المارقة من أي تبعات لكل سياساتها الاحتلالية والعنصرية، فإن النتيجة كانت مراكمة التطرف والإحساس بالإهانة الجمعية العميقة، ونمو موجات الغضب والنقمة تحت السطح الذي ينفجر من وقت لآخر وبأشكال مختلفة. يخطئ من يظن أن التغييب والتهميش المقصود للقضية الفلسطينية عن جدول الأعمال الإقليمي يعني غياب فلسطين عن الضمير الشعبي العربي، وأن مرارة الإهانة الجمعية قد زالت. بل على العكس لا تزال فلسطين هي القضية التي تجتمع على بوصلة عدالتها الشعوب العربية والإسلامية كما لا تجتمع على أي قضية أخرى. صحيح بالطبع أن كل ذلك لا يتجسد في  فعل سياسي مؤثر وأن الحكومات تدوسه إلى ما تحت السطح وهي تسير وفق بوصلات مختلفة تقودها المصلحة القومية أو التنافس أو الحفاظ على النظام هنا وهناك. لكن هذا لا يعني خفوت التضامن مع فلسطين والفلسطينيين. يكفي للتدليل على ذلك فشل إسرائيل الذريع في تحقيق أي نجاح يُذكر على مستوى التطبيع الشعبي مع المصريين رغم مرور أربعة عقود على زيارة السادات للقدس وما تبعها من اتفاقيات كامب ديفيد. ويتوازى ذلك مع فشل آخر في تحقيق أي اختراق تطبيعي يُذكر في الأردن رغم مرور ما يقارب من ربع قرن على اتفاقية وادي عربة. معنى ذلك أن صوت وضمير ووجدان العرب ما زال رافضاً لإسرائيل واحتلالاتها وعنصرياتها. ومعنى ذلك أيضاً أن البرلمان الأردني ينطق في هذه القضية بضمير الشعب الأردني وضمير الشعوب العربية، وهذا ما يمنح الخطوة الأردنية شرعية لا يمكن منافستها، وهي الخطوة التي يجب أن تتحول إلى حملة برلمانية حقوقية عربية ضد عنصريات إسرائيل وقوانينها وسياستها.

 


التعليقات