"سيزيف الفلسطيني" يُدحرج صخرته في مخيم اليرموك

  • الأحد 2012-08-05 - الساعة 09:38

 

بقلم: هاني حبيب
 
تكاد أسطورة "سيزيف" الإغريقية، تتجسّد واقعياً في حالة الشعب الفلسطيني، اللاجئون منهم على وجه الخصوص، وكأن هؤلاء كتب عليهم عقاب دائم مستمر بلا هوادة أو انقطاع، تقول الأسطورة، أن سيزيف هذا، كان محارباً، بارعاً وذكياً، إلاّ أنه ارتكب من الأفعال ما أثار الآلهة، التي حكمت عليه بأقسى أنواع العقاب، التي لم تخطر على بال أحد، سوى آلهة الأولمب، خاصة الإله "زيوس" الذي حكم على "سيزيف" بأن يظل يدحرج صخرة عملاقة من سفح الجبل إلى قمّته، وكلما انحدرت الصخرة بفعل قانون الجاذبية، فإن سيزيف سيعود مرة تلو المرة، إلى دحرجة الصخرة إلى الأعلى من جديد. عبرة هذه الأسطورة، تكمن في أن سيزيف سيظل يدحرج الصخرة إلى أعلى، مع إدراكه التام، أنه لن ينجح في الوصول بها الى القمة، أي أن عقابه هذا، عقاب أبدي، ومع ذلك، فهو مجبر على دحرجتها إلى أعلى من دون أي أمل في الوصول بها إلى القمة.
 
السيزيف الفلسطيني الأخير، كان مؤخراً في المخيمات الفلسطينية للاجئين في سورية، خاصة مخيم اليرموك، الذي يشكل سكانه ربع عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية البالغ عددهم نصف مليون لاجئ، مهددون الآن بما يشبه الإبادة جراء نجاح أطراف عديدة، ومن بينها جهات فلسطينية في الزج بهم في أتون الأزمة السورية، فقد شهد المخيم قبل يومين مجزرة بشعة، عندما أطلق الجيش السوري النظامي، حسب مصادر متعددة ومع أذان المغرب تماماً، عدداً من القذائف على موقف أبو حسن بشارع الجاعونة وسط شارع فلسطين الرئيسي في المخيم.
 
وهذه ليست المرة الأولى التي يتم بها استهداف اللاجئين الفلسطينيين أثناء "الربيع السوري" ففي 20 تموز الماضي، قتل 16 جندياً من جيش التحرير الفلسطيني الذي يعتبر موالياً من خلال قيادته للنظام السوري، وذلك بعد أن أوقف مسلحون حافلتهم وقاموا باختطافهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم، تم ذلك بعد أن أعلنت القيادة المشتركة للجيش السوري الحر، قبل أربعة أيام عن هذه المجزرة بأن "القيادة الفلسطينية الموالية للنظام السوري أصبحت هدفاً مشروعاً، الأمر الذي يشير إلى أن الفلسطينيين في مخيمات اللجوء في سورية، باتوا مستهدفين من طرفي الأزمة.
 
من الواضح، أن مجزرتي اليرموك وجيش التحرير الفلسطيني، كانتا رداً عملياً على تصريح أمين عام الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، أحمد جبريل، من أن فصيله، "أخذ زمام المبادرة، وقام بتسليح أبناء شعبنا، في مواجهة العصابات" بعدما أعلن مجدداً عن وقوفه إلى جانب النظام السوري وإيران و"حزب الله" في مواجهة ما أطلق عليهم "العصابات المسلحة" وهو المصطلح الذي يستخدمه النظام الحاكم لتوصيف الجيش السوري الحر والثورة السورية. خاصة أن هذا الإعلان من قبل جبريل جاء بعدما رفضت باقي الفصائل الفلسطينية الزج باللاجئين الفلسطينيين في أتون الأزمة السورية وظل متفرداً في موقفه وقراره بعدم تحييد اللاجئين الفلسطينيين في هذه الحرب التي لا يبدو لها نهاية قريبة واصطفاف، لا فائدة من ورائه لقضية الشعب الفلسطيني، مع قوى الاستبداد والطغيان.
 
وتتعاظم مشكلات الزجّ باللاجئين الفلسطينيين في هذه الحرب، عندما لا يتمكن اللاجئ الفلسطيني من الهرب من مناطق التوتر والنزاعات، كنظيره السوري، إلى البلدان المجاورة، حيث تمتنع الدول العربية المجاورة، التي استقبلت اللاجئين السوريين، عن استقبال اللاجئين الفلسطينيين، لأسباب غير منطقية ولا تراعي حساسية الموقف وخطورته، وكأن على اللاجئ الفلسطيني أن يرتضي بمصيره المحتوم من دون أن تمتد له يد المساعدة، حتى في النطاق الإنساني، إذا ما استبعدنا المعايير القومية التي تفترض نجدة هؤلاء الذين يضطرون مع كل حرب أن يدفعوا ثمن اندفاعهم نحو الحياة والنجاة من القتل المجّاني الذي يطاردهم.
 
بعد "الحرب العالمية" على العراق عام 2003، أصبح اللاجئون الفلسطينيون في العراق هدفاً دائماً للقوات الأميركية والميليشيات على اختلاف أشكالها، والعصابات الإجرامية المتعددة، ما اضطرهم للجوء إلى الحدود مع الأردن، ومن ثم تهجيرهم إلى بلدان الشتات في أميركا اللاتينية، دون أن يشعر العرب من المحيط إلى الخليج بالعار والخزي بعد أن قصّروا في حق أهلهم وذويهم، رغم كل الشعارات المزيّفة والمواقف الخطابية المتتالية.
 
وقبل كل ذلك، كان "سيزيف" الفلسطيني ما زال مدحرجاً صخرته في مخيمات اللجوء في لبنان، خاصة منذ مجزرة عين الرمانة عام 1975، والتي كانت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية، مروراً بمجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، وحتى تدمير مخيم نهر البارد عام 2007، وما بين مجزرة وأخرى، أحداث وقتال واقتتال، وكأن كل ذلك لا يكفي سيزيف الفلسطيني، حتى تستكمل صخرته هبوطها المستمر، في مخيمات اللاجئين في سورية.
 
إن ما يحدث في سورية، ومن ضمنه ما يحدث للاجئين الفلسطينيين، تتجاوز قدرة الفصائل والمنظمة، فهي مسؤولية البلد المضيف أولاً، ومسؤولية المنظومة العربية، أولاً أيضاً، وإذا لم يكن أي طرف قادراً على وقف المجازر، فعلى الأقلّ، فتح الأبواب أمام اللاجئين الفلسطينيين، لمنحهم فرصة اللجوء من جديد للنجاة بحياتهم من ويلات حروب مجانية لا نهاية قريبة لها.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز