صمت الكراسي

  • الثلاثاء 2012-07-31 - الساعة 10:09

 

 
بقلم: زياد خداش
 
أن تكتب في الصباح الباكر اسم امرأة تُحبها على بتلة وردة، ثم تغيب نهاراً كاملاً، وحين تعود في المساء تجد أمام بيتك راعياً مؤدباً يعتذر نيابةً عن شياهه التي أكلت الوردة، مرعوباً تفكّر في اسمها، ما الذي سيحدث له حين تحز سكين العيد القادم عنق الشاة وبطنها؟.
***
الوطن هو أن يبتسم حين أشتمه، ويبتسم حين أحبه، ويبتسم حين أهجره، ويبتسم حين أعود إليه.
***
عودني أبي أن يعانقني بحرارة كلما قرأت كتاباً، تحوّل الأمر فيما بعد إلى رغبة في قراءة كتب جديدة استعجالاً لعناق جديد.
الآن وبعد أكثر من أربعين عاماً من الاحتراق بنار الكتب اللذيذة، ما زلت أتلفّت حولي كلما أنهيت كتاباً ما، فلا أجد أحداً، فأضم جسدي بيدي، مغمضاً عيني، متخيلاً عناق أبي لي.
أمشي بهدوء أمام رفوف مكتبة عامة أو خاصة، ألمس الكتب بيدي أو عيني فأرى في الزاوية أباً ثمانينياً يعانق كهلاً أربعينياً.
***
في مساءاتي المتأخرة أمر كل ليلة تقريباً ـ هابطاً إلى بيتي ـ على مقهى (سنغريا)، المحتشد بالكلام والابتسامات وتحمس النادلين المتعب والموسيقى المبتهجة والدخان والضحكات والثرثرات المطلية بقشرة فرح مفتعل. في الصباح الباكر أمر على (سنغريا) ـ صعوداً إلى مدرستي ـ فأصاب بالذهول من فرط وحشة المكان. لكن أكثر ما يرعبني هو الكراسي الوحيدة المبعثرة بلا نظام هنا وهناك، كالجثث تماماً، يحزنني صمت الكراسي.
***
قبل وصولي إلى تخوم عامي الـ48 مرتعشاً أريد أن أتذكّر بحب كبير: عمالقةً صنعوا شهيتي للحياة والحلم والكتابة: غسان كنفاني، محمود درويش، هنري ميللر، حسين البرغوثي، خليل السكاكيني. أساتذتي العظام: شكراً لوجودكم في عالمنا، لم تموتوا، لم تموتوا، إلا إذا ماتت الحياة.
*** 
أريدك انشقاقية وانتهاكية، وأريدني ضعفك حين تنشقّين، وخوفك حين تَنتَهكين، أريدني رغبتك المفاجئة في حضن الأم وحنينك إلى عتمة الدفء في غرفة الأخت.
***
ربما أتحمل غضب صديق خنته وتوقفت عن الكتابة، ربما أعيش مع حنق أبي الذي خذلته حين لم أدرس الطب، ربما أنجو من استياء أمي لأني لم أتزوج بعد، ربما أنسى تذمر طلابي من علبة (كورونا) شوهدت وهي تشربني في زاوية شارع.
فقد يسامحني الصديق والأم والأب والطلاب، لكني أبداً لن أتحمل ولن أنجو ولن أعيش ولن أنسى غضب واستياء الشهداء.
***
كلما امتلأنا سقطنا، كلما امتلأنا سقطنا. 
درس على شكل أغنية، يغنيها كل فجر غصن شجرة تفاح، ممتلئ بالتفاح، يقترب الغصن سقوطاً سقوطاً من أرض الحديقة، كلما امتلأنا سقطنا، كلما امتلأنا سقطنا.
أقطف تفاحة من شجرتي فيرتفع الغصن قليلاً.
أقطف فكرة من ذهني فأرتفع قليلاً.
أيها الفراغ، تعال، واقطفني، ثم خذني إلى البياض الكبير.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز