لماذا الحوار الفلسطيني في جنوب أفريقيا؟

  • الخميس 2016-04-14 - الساعة 09:42
بقلم: عوض عبد الفتاح

أنهت الأسبوع الماضي مجموعة من الفلسطينيين، قادة في أحزاب وحركات وفصائل، ومجتمع مدني، وإعلاميون، ونشطاء شباب، رجالاً ونساءً، جاؤوا من فلسطين التاريخية (48 و 67) ومن أماكن اللجوء، ورشة حوار داخلي على مدار 4 أيام، في مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا.

وهذه الورشة، جزء من مبادرة فلسطينية مستقلة انطلقت فكرتها قبل عام تقريبًا من مؤسسة  IPSA (مؤسسة فلسطين-جنوب أفريقيا) جديدة النشأة، ويديرها الفلسطيني الدكتور أنيس ضراغمة، ويتطوع فيها عدد من الشباب الفلسطيني، وكذلك ناشطة سابقة ومسؤولة لجنة الآداب في برلمان جنوب أفريقيا، السيدة فازيلة محمد. وكان لي الشرف أن أكون شريكًا مع الأخوة هناك في صقل الفكرة منذ ا نطلاقها، أثناء وجودي في جولة محاضرات ولقاءات في مدينة جوهانسبرغ وكيب تاون في نيسان عامي 2013 و 2015.

ما هي طبيعة المبادرة وماذا يميزها عن غيرها؟

هدف المبادرة هو المساهمة في الجهود التي ترمي إلى مجابهة الأزمة الخانقة التي يعيشها المشروع الوطني الفلسطيني منذ سنوات طويلة، وكذلك التي تعيشها قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية. وهي مبادرة ليست بديلة عن مبادرات أخرى بل مكملة وداعمة. ومقصدها المساهمة في مواجهة الانقسام، والتآكل في الخطاب الوطني الفلسطيني، والمشروع الوطني، وذلك من خلال الوصول إلى رؤية سياسية وطنية مشتركة تقوم على ما يجمع الشعب الفلسطيني كله حول حقوقه التاريخية في فلسطين، وهويته الوطنية الجامعة. وكما هو معروف فإن الساحة الفلسطينية تشهد حراكات مبادرات وحوارات، من خارج البنى الرسمية والفصائلية، منذ أن بدأت الأزمة تشتد بعد خمود الانتفاضة الثانية. مثل: لجان العودة (والتي انطلقت أواخر التسعينيات)، حركة المقاطعة BDS، عودة النقاش والتداول في فكرة الدولة الواحدة، أيضاً الحراك الشبابي في كل تجمعات الشعب الفلسطيني بما فيها منطقة ووصولاً إلى الموجة الانتفاضية الراهنة48. وأصبح يطلق على جميع هذه المبادرات والحراكات الفضاء الثالث، الذي يتشكل تدريجياً موضوعياً كقطب ثالث، أي بين القطبين الرئيسين، فتح وحماس.

وتطمح المبادرة إلى ما هو أبعد من اللقاءات الحوارية والاتفاق على رؤية مشتركة، إلى المساهمة في التشبيك بين كل من يرغب ويشترك في هذه الرؤية في كافة تجمعات الشعب الفلسطيني، والسعي إلى ترجمة ذلك إلى عمل سياسي ثقافي وميداني.

وتتبنى المبادرة منهج البناء من تحت لا من فوق (bottom up)  أي أن تكون مركبات العمل من الحركات الشعبية الميدانية (مثل حركات ولجان مقاومة الجدار، وحركة المقاطعة، الشباب الطليعي والواعد، والمثقفون النشطاء، والباحثون والأكاديميون الذين تتركز أبحاثهم حول الخيارات البديلة). وطبعًا قيادات منفتحة وناقدة وقادرة على الإصغاء حركات وفصائل.

ويقوم منطق المبادرة على مبدأ التغيير التدريجي وطويل الأمد ومن خارج البنى السياسية الرسمية والفصائلية القائمة، وذلك لإتاحة المجال لدينامية التغيير أن تفعل فعلها. وفي الوقت ذاته تطمح المبادرة إلى أن تكون عونًا لطرفي الانقسام من خلال لعب دور محفز لإنهاء هذا الانقسام ومكمل لكل جهد يقومان به سعياً وراء هذا الهدف. والأهم، للمساهمة في بلورة مجموعات من الجيل الجديد تكون جزءً من الحامل الاجتماعي لمشروع وطني متطور وواضح.

تستند المبادرة إلى تحليل متشائم يقول أن الانقسام أصبح أكثر تجذرًا، على المستوى الفوقي والتحتي (الشعبي)، وأن أزمة الفصيلين تعقدت أكثر؛ طرف يتصرف كوكيل وكيل للاحتلال وعاجز عن الفكاك من التنسيق الأمني بسبب التغيرات البنيوية والذهنية القائمة على التبعية، التي طرأت على هيكل السلطة في رام الله. وطرف يعيش كارثة الحصار الإسرائيلي الإجرامي ا لخانق، وأزمة الجمع بين المقاومة والسلطة، بل أزمة ممارسة السلطة داخل قطاع صغير منكوب. وتتلخص مجمل الأزمة في انقسام المشروع وتآكل الخطاب الوطني الجامع مما ينعكس في ترهل المزاج العام وضعف روح المقاومة الشعبية.

وقد جاءت الموجة الانتفاضية الراهنة (أو الانتفاضة الثالثة) لتكشف مجددًا وبصورة محزنة، حجم هذه الأزمة الوطنية الشاملة. إنها كشفت زيف التصريحات الداعمة لمقاومة شعبية مدنية التي تصدر على لسان رئيس السلطة الفلسطينية بين الحين والآخر، إذ انحسر الحراك الشعبي بصورة حادة الذي انطلق في أكتوبر الماضي. كما أن الفصائل لم تقدم سندًا سياسيًا وميدانيًا لهذه الموجة الانتفاضية التي لا تزال بلا رؤية سياسية.

لا شك أن هذه الموجة تحظى بتأييد شعبي واسع ولكن ليس دعمًا فعليًا. واستمرار غياب هذا الدعم قد يتسبب في موتها، دون تحقيق إنجازات فعلية.

دور فلسطينيي الـ48 في المشروع الوطني

في رأيي، لا يجوز أن ننتظر نحن الفلسطينيين داخل "الخط الأخضر"، وبالتحديد الأوساط والقوى التي ترتبط بالمشروع الوطني الفلسطيني ارتباطاً أصيلاً صدور قرار من قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية، أو من فصائلها، بتخصيص موقع فعلي لهذا الجزء من شعب فلسطين في المستقبل الفلسطيني الكلي. فهذه القيادات تعيش أزمة بنيوية، ومنقسمة على ذاتها.

إن قيادات الحركة الفلسطينية، أو قياداتها، وإن بتفاوت،  استنكفت أو اختارت النأي بالنفس عما تعتبره محاذير، لا يجوز الاقتراب منها، أو أنها تكاسلت بخصوص الواجب الوطني المطلوب تجاه مهمة تحديد موقع 1,4 مليون فلسطيني في التصور الفلسطيني المستقبلي، وفي عملية صياغة هذا التصور. لقد عادت إسرائيل منذ عام 2000 تعتبرهم عدوًا داخليًا وتمارس عليهم قهرًا واستعمارًا داخليًا منهجيًا. بل منذ عقد ونصف، تكثفت الدراسات والأبحاث في الأجهزة الأمنية، والمراكز البحثية، وداخل أروقة الحكم، حول كيفية التعامل مع وجودهم ومع نهوضهم السياسي الوطني والثقافي والتعليمي، وبالتحديد مع رفع سقف مطالبهم المشروعة. وقد فاجأت نهضتهم كل الجهات التي تلعب على ساحة الصراع الدولية والإقليمية والإسرائيلية، بل حتى قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية.

وتواجه إسرائيل معضلة حقيقية في التعامل مع أقلية قومية أصلانية، نمت عددًا وتحولت نوعيًا، تطالب بالمساواة اليومية والقومية، عبر تحدي يهودية الدولة وطابعها الكولونيالي، وعبر اعتماد النضال السياسي والشعبي المدني والبرلماني الذي يصعب مواجهته بالقمع المسلح.

ويشير العديد من المراقبين والمختصين بشأن فلسطين الـ48، إلى الوزن الاستراتيجي لتجربة هذا الجزء من شعب فلسطين، سواء في عملية الدفاع عن وجودهم في وطنهم وتثبيت هويتهم الوطنية الجامعة، أو في تحدي الطابع اليهودي والمبنى الكولونيالي العنصري للدولة وبالتالي المساهمة النوعية في إطار حملة تعرية إسرائيل وتجريدها من صورتها لذاتها. وكما هو معروف، فإن  حركة الـ BDS، والعديد من الباحثين في الأدبيات الكولونيالية يستعينون بطبيعة العلاقة بين دولة إسرائيل ومواطنيها العرب، كمثال ساطع على طبيعة هذا النظام الكولونيالي العنصري، وكذخيرة فكرية وأخلاقية مستخدمة في حملة النبذ والعزل المتصاعدة لإسرائيل في أوساط المجتمع المدني العالمي.

هل إشراك فلسطينيي الـ48 في المشروع الوطني مضر أم مفيد؟

إذا انطلقنا من كون الشعب الفلسطيني هو واحد، وأن حالة التشتت والتشرذم القائمة هي نتاج المشروع الصهيوني الاستعماري، يصبح الواجب الوطني الملح إعادة الوحدة إلى الشعب الفلسطيني الذي كانت تجمعه في السابق منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا ليس بالضرورة مشروطًا بالدخول في نقاش حول طبيعة الحلول.

وإذا كانت عملية إنهاء التمزيق الجغرافي والتشتت الديمغرافي، ليست ممكنة في المدى المنظور، نظرًا لميزان القوى المختل لصالح المشروع الاستعماري، وإذا كانت الوحدة الوطنية السياسية بين فتح وحماس غير ممكنة في المدى المنظور أيضًا (نأمل غير ذلك)، تصبح العودة إلى الرواية الأصلية، إلى عام 1948، ضرورة وجودية لا تحتمل التأخير. أي إعادة ترميم الهوية الوطنية الفلسطينية وإنقاذ الخطاب الوطني الفلسطيني الذي تعرض للتآكل الخطير على مدار عقدين ونصف من صناعة التسوية. فقد جرى خلال ذلك تعميق المشروع الاستعماري-الاستيطاني في الضفة والقدس ومزّق الجغرافيا والديمغرافيا. والأخطر، أن الشعب الفلسطيني، خسر في هذه الفترة أداة التحرير (منظمة التحرير الفلسطينية) قبل أن يُخفق الدولة.. ولا تزال هذه الأداة معتقلة تحت الاحتلال، وخاضعة للسلطة الفلسطينية.

ومعها تم التخلي عن الخطاب الوطني الأصيل، وعن الخطاب الكولونيالي الذي كان يفسر ويشرح حقيقة اسرائيل باعتبارها كيان كولونيالي استيطاني، ويُفسر أيضًا أن قضية فلسطين هي قضية تحرر وطني وليست قضية نزاع على حدود بين كيانين سياسيين متساويين، إسرائيل القائمة ودولة فلسطين الوهمية.

لقد منحت اتفاقية أوسلو إسرائيل الشرعية، ظنًا أنها ستتحول إلى دولة طبيعية. وبغض النظر عن هذه الفرضية المستندة إلى قصور في فهم تكوين إسرائيل، فإن هذه الدولة أصبحت أكثر كولونيالية وأكثر يهودية، وأكثر عدوانية، بل تتحول نخبها ومجتمعها نحو الفاشية بوتيرة متسارعة.

هذه السياسة الكولونيالية المتفاقمة، رفعت مظالم الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية، إلى السطح، وتهاوى القناع تمامًا عن إسرائيل بحدود الـ48.. وعن صورتها المزيفة بأنها ديمقراطية. وتبين لنخب واسعة في الغرب، أكاديمية ومثقفة، وحركة طلابية ونشطاء، مدى انطباق الخطاب الكولونيالي على إسرائيل، ليس على احتلالها لأراضي عام 67 بل لأراضي عام 1948. ولذلك نرى في الدوائر الأكاديمية الغربية، وكذلك في أوساط عدد من الأكاديميين الإسرائيليين يعودون إلى الخطاب الكولونيالي لفهم إسرائيل وسياساتها، بعد أن رقد هذا الخطاب على الرف لسنوات طويلة.

ويشتق بعض هؤلاء من القرارات الكولونيالية حلولاً أو بدائل استراتيجية مثل الدولة الديمقراطية العلمانية المدنية في فلسطين، أو دولة ثنائية القومية، أو دولتان في قضاء واحد أو غيرها من الحلول.

وبغض النظر عن طبيعية الحلول البديلة المطروحة فإن الاستعانة بالخطاب الكولونيالي لفهم إسرائيل والتحريض على نظامها الكولونيالي والفصل العنصري، باتت ضرورة من ضرورات النضال، سواء في مواجهة الدعاية الصهيونية في الخارج أو في مواجهتها داخليًا.

وتشتمل هذه القراءة على العمل على إعادة توحيد تجمعات الشعب الفلسطيني؛ 67، 48، وأماكن اللجوء والشتات في الدول العربية وفي أوروبا والأمريكيتين، حول رؤية وطنية جامعة.. تقوم على التمسك بالتاريخ المشترك، والهوية الجامعة، وبحق تقرير المصير لكافة تجمعات الشعب الفلسطيني. ما معناه؛ أنه في غياب الحلول في المدى المنظور والمتوسط، لا خيار أمام شعب فلسطين وقواه الوطنية والشعبية سوى توحيد صفوفه وبناء مؤسساته بما فيه الاعتماد على الذات اقتصاديًا.. كشرط للتقدم نحو التحرر.

 

هل مشاركة فلسطينيي الـ48 في إعادة صياغة المشروع والخطاب الوطني مواتية؟

قد يرى البعض، داخل الخط الأخضر، أن أولويات فلسطينيي الـ48 ليست المشاركة في إعادة صياغة المشروع الوطني، كون جزء من أحزابهم وأوساطهم لا ترى نفسها جزءًا من المشروع الوطني الجامع، وأنها موضوعيًا على الأقل حسمت مصيرها بالدولة الإسرائيلية التي يعتقدون أنها يمكن أن تستجيب لمطالبهم بالمساواة. ويزداد تعلق هؤلاء بإسرائيل، براغماتياً وليس أيدلوجياً، في ظل أنظمة الاستبداد والخراب الذي يعم العالم العربي والانقسام الفلسطيني. كما أن سياسة الإرهاب والتحريض التي يدعمها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي تترك تأثيرها في أوساط البعض.

كما أن وضعهم الخاص وكذلك تغول الحكومة الإسرائيلية الحالية، هكذا يعتقدون، لا يسمح بالذهاب "بعيدًا".

وهناك من يدعو الى الانشغال أكثر في الاهتمام بمطالب الفلسطينيين اليومية وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والتعليمية والسكنية.

بخصوص هذا الادعاء نقول: لا يعني الانخراط بالجهود لإعادة رسم الخطاب الوطني الفلسطيني التقليل من شأن القضايا اليومية والحياتية أو السياسية لفلسطينيي الداخل. بل بالعكس، إن ضرورة الانشغال أكثر في قضايانا اليومية هو عنصر أساسي في تطوير مشاركتنا في صياغة المشروع الوطني الفلسطيني فضلاً عن كونه حاجة وجودية في حياتنا اليومية. وفي الحقيقة إن جُلّ الأحزاب والحركات السياسية العربية منشغلة في معظم نشاطها في العمل على تحصيل الحقوق اليومية. ولكن المشكلة تكمن في العجز عن تطوير المؤسسات التمثيلية والمهنية المطلوبة لخوض نضال سياسي وشعبي منهجي وفاعل لانتزاع هذه الحقوق. ويمكن لفلسطينيي الداخل أن يحققوا تقدمًا نوعيًا في نضالهم إذا ما طوروا مؤسساتهم مستفيدين من التجربة السياسية الغنية التي راكموها على مدار عشرات العقود. وهذا أمر مطلوب منذ سنوات طويلة.

وفي ظل انشغال غالبية مركبات العمل السياسي في مقارعة المؤسسة الصهيونية لانتزاع الحقوق الخاصة بفلسطينيي الـ48، التي تستنزف الجهد الذهني في العمل اليومي على حساب الأهداف الاستراتيجية والتخطيط لها  لا بدّ أن يتصدى بعضنا، على الأقل، لهذه المهمة الوطنية الاستراتيجية. نلاحظ في السنوات الأخيرة مشاركة أكاديميين ومثقفين ونشطاء شباب من داخل الخط الأخضر في هذه المبادرات الوطنية الجامعة الباحثة عن خيارات استراتيجية جديدة، وبدائل لحلول. وهذا أمر مُشجع ومطلوب تطويره.

 

لماذا جنوب أفريقيا؟

تحظى جنوب أفريقيا بمكانة مرموقة ومصداقية عالية لدى شعوب العالم بل عند غالبية حكوماتهم

وتتميز تجربة جنوب أفريقيا التحررية، بأنها قامت على القيم الكونية؛ الديمقراطية والمساوة المناهضة لفكرة التقسيم والفصل العنصري. والتفاعل الحقيقي مع هذه التجربة التحررية لا يساهم في شحذ الهمة وتأجيج الحافز للنضال الوطني فحسب، بل أيضاً في تذويت الفكرة الديمقراطية الإنسانية القائمة على العدالة النسبية والمساواة، وفي تهيئة الذات الجمعية للعيش المشترك بعد نزع الطابع الكولونيالي عن المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

 لقد أبدت قيادات جنوب أفريقيا اهتماماً فعلياً في اللقاء الحواري الأول الذي جرى الأسبوع الماضي 3.4.2016، في مدينة كيب تاون. فقد حضرت شخصيات لعبت دوراً هاماً ومركزياً في النضال من أجل إسقاط نظام الأبارتهايد.

أدار اللقاء الحواري الأول مؤسسة "إن ترنسفورميش" المختصة بحل الصراعات في العالم. ومن رجال إدارتها، إيبي إبراهيممعتقل سابق (لمدة 16 عام)، ومستشار الرئيس الحالي. وروف ميير، وهو المفاوض عن نظام الأبارتهايد وعضو الـANC، ومحمد بهابها، نائب وزير سابق.

وحضر الاجتماع؛ قاضي المحكمة الدستورية، ألبي ساكس، وإبراهيم رسول، سفير جنوب أفريقيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وقدموا مداخلات هامة ومثيرة عن تجربة الوحدة والتحرر في جنوب أفريقيا، وكيفية مخاطبة الإسرائيليين. كما حضر مسؤول العلاقات الدولية في الحزب الحاكم الـANC السيد فيسيزوي مسانغو.

تشكل تجربة جنوب أفريقيا نموذجًا ملهمًا للشعوب المناضلة ضد الكولونيالية والفصل العنصري، ونحن الفلسطينيين معجبون بهذه التجربة الخاصة، وإن كانت لم تؤدّ بعد إلى العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وهدف تحقيقها يشكل تحدٍ كبير أمام الجماهير الشعبية وقواها الاجتماعية الديمقراطية.

إن خصوصية تجربتها ووعي قادتها بالمفهوم الإنساني الشامل للتحرّر يضعها بصورة طبيعية في خانة الدعم والمساندة لشعوب العالم الساعية للتحرر الوطني. كما يضعها اليوم في خانة مناهضة نظام الأبارتهايد الصهيوني.

ولجنوب أفريقيا نضال وتعاون مشترك مع الشعب الفلسطيني، فهناك مقاتلون من جنوب أفريقيا تدربوا في مخيمات الثورة الفلسطينية في لبنان.

لقد كان مهمًا أن يجري تعريف جنوب أفريقيا المتحررة سياسيًا من نظام الأبارتهايد، أن جزءً منسياً من الشعب الفلسطيني يخضع لنظام قهر عنصري منذ عام 1948 وليس منذ عام 1967 فحسب.

ومن المهم الإشارة إلى أن فلسطيني ألـ 48، وعبر نشطائهم، وقادتهم، في الأحزاب السياسي أو في أطر المجتمع المدني، منخرطون على مدار العقدين الأخيرين في حملات إعلامية في الخارج (أوروبا وأمريكا بشكل خاص) تشرح مظالم هذا الجزء من شعبنا. مما ساهم في لفت أنظار هيئات دولية لواقعهم والتدخل أحياناً لصالحهم. ومن المفروض أن يتحول ذلك إلى عمل منظم تقوده مؤسسة وطنية جامعة.

العلاقة مع فلسطينيي الـ48 تعود إلى 2007

وكانت البداية عندما تمت دعوة لجنة ذوي الشهداء (داخل الخط الأخضر) والأحزاب السياسية، عدة مرات بين عام 2007 و 2008. وشكل ذلك انفتاحًا على تجربة هامة. وقد كان ذلك في عهد وزير الأمن الداخلي السابق، أحد قادة أل ANC، روني كاسرلز والذي لا يزال يتابع تفاصيل تجربة الفلسطينيين في إسرائيل، وقال لي في حينه "كنت دائماً أحث القادة الفلسطينيين على الاهتمام أكثر بقضية هذا الجزء من شعب فلسطين". كما كان للدكتور  عزمي بشارة محاضرات ولقاءات عديدة دارت حول تفاصيل النظام الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بما فيه فلسطينيي الـ48. 

وحصل انقطاع لحوالي عامين إلى أن تم تجديد الاتصال مع شخصيات قيادية وأطر مدنية وبحثية منذ عام 2012  لنضع مرة أخرى فلسطينيي الداخل كجزء من عملية التداول في الشأن الفلسطيني.

كما أني دعيت إلى إلقاء خطاب، أعقبه نقاش امتد لساعة ونصف، أمام أعضاء البرلمان من الحزب الحاكم البالغ عددهم (250) الخريف الماضي، عن القضية الفلسطينية وعن واقع فلسطينيي الـ48، وهذه كانت المرة الأولى التي تعطى فرصة من هذا النوع لسياسي من فلسطينيي الـ48.

من المهم الإشارة إلى أن جنوب أفريقيا، شهدت ارتفاعًا في منسوب نقدها لإسرائيل في السنوات الثلاث الماضية، بعد أن كانت سياساتها تقوم على المداراة بهدف لعب دور الوسيط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، دون جدوى. كانت هذه السياسة البائسة من ايعاز السلطة الفلسطينية نفسها. ولكن الحروب الإجرامية التي خاضتها إسرائيل ضد قطاع غزة والتغول الاستيطاني في الضفة والقدس، وكذلك رفضها التجاوب مع الحدّ الأدنى لمطالب الشعب الفلسطيني، ساعد منظمات المجتمع المدني وخاصة لجنة المقاطعة، سواء الجنوب أفريقية، أو الفلسطينية الفاعلة، الدفع بالحزب الحاكم إلى البدء بتغيير سياسة المداراة والتحول إلى سياسة نقدية وأكثر دعمًا للمواقف البديلة. واليوم يمكن القول أن جنوب أفريقيا عادت إلى قلب حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني.

 يبقى العامل الحاسم في التغيير، هو ما نقوم به، نحن الفلسطينيين، على الأرض. رؤية سياسية مشتركة، وإستراتيجية نضالية موحدة، تقوم على النضال الشعبي الواسع والفعال، بحيث يقوم كل تجمع من الشعب الفلسطيني باختيار وسائل النضال وأشكال التنظيم التي تناسب واقعه

هذا ما يجعل العالم يقف معنا، ويدفع بأوساط جديدة لممارسة الضغط على نظام الأبارتهايد الكولونيالي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز