تغريدة الصباح - الشيتي والنجفي

  • الأربعاء 2014-04-09 - الساعة 08:39
يحيى يخلف
من الشخصيات الطريفة التي قابلتها في مشوار العمر، الكاتب والصحفي الفلسطيني عبد الله الشيتي الذي عمل في الصحافة الكويتية والعربية، وتميز بخفة الظل والسخرية، وكان نجم السهرات، يمتع الحاضرين بالطرف والنكات والحكايا الساخرة.
التقيت به لأول مرة في بيروت في أواخر الستينيات من القرن الماضي، وأعجبت بحديثه وهو يتحدث عن تجاربه وجولاته في بلاد العالم، ومغامراته الدون كيشوتية، ويومها أهداني مجموعته القصصية (القديسة العارية)، وكنا نلتقي بعدها في اجتماعات أو مؤتمرات أو لقاءات صحيفة، وأذكر انه حضر معنا المؤتمر الثاني للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين الذي عقد في تونس عام 1977، وكان من أطرف وأظرف المشاركين، وكنا نستمتع بجلساته وتعليقاته وجرأته، حتى أنه تجرأ على ترشيح نفسه لعضوية الأمانة العامة للاتحاد في مؤتمر المنافسة به صعبة، خصوصاً وأن معظم المرشحين كانوا من الأدباء الكبار، والصحفيين العمالقة، وربما كان ترشحه جزءاً من المشهد الظريف والفكاهي الذي أراد أن يمثله، حتى انه كان أثناء عملية الاقتراع يستوقف المقترعين ويقول للواحد منهم: مشان الله انتخبني.
هذا الكاتب والصحفي الفريد، الذي واجه الحياة بوجه مبتسم، ورغم أحزانه الصغيرة، واصل رسم الابتسامة على شفتيه، وواجه اليأس بالانحياز للأمل، وقسوة الحياة بالكتابة الساخرة، والابتسامة الساحرة.
ولعبد الله الشيتي حكاية طريفة مع الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي، أحد أشهر وأهم الشعراء العرب، الذي نشأ في العراق، ودرس في النجف، ونبغ في الفقه واللغة وعلم الكلام والمنطق، ثم تنقل في بلدان عدة، منها ايران وسوريا ولبنان، وقبلها شارك في ثورة النجف ضد الاحتلال البريطاني، كما شارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 وتعرض للاعتقال، وهكذا امتلك تجربة عبر عنها في قصائده التي أشهرته، فذاع صيته وطبقت شهرته – كما يقولون- الآفاق، وكان كما السياب والجواهري وبدوي الجبل قامة عالية تخط ابداعها على صفحة مشرقة من صفحات ديوان العرب.
عاش السنوات الأخيرة من حياته في بيروت، وكان يتنقل في شوارعها بثيابه العربية والحطة والعقال على رأسه، لم يلبس في حياته كلها الملابس العصرية، بل حافظ على زيه المميز بالثياب العربية، عاش أيام بيروت الجميلة، وأدركته الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فلم يغادر بيروت، وقد تعرض في هذه الحرب الى رصاصة أطلقها نحوه قناص أثناء توجهه الى السوق لشراء الخبز، وكان ذلك في شهر حزيران من عام 1977، فنقل الى المستشفى الذي يغص بالمصابين ينتظر دوره لاستخراج الرصاصة من جسده.
تدخلت آنذاك السفارة العراقية، ونقلته بالطائرة الى بغداد، حيث أدخل المستشفى، وأخرجت الرصاصة، لكنه فارق الحياة بعد أيام.
بعد شهور من وفاة النجفي، قررت وزارة الثقافة العراقية اصدار كتاب عن حياته وشعره، وكلفت عبد الله الشيتي بكتابته.
أنجز الشيتي الكتاب بسبعة أيام، وقدمه الى الوزارة التي دفعت له المكافأة، ودفعت كتابه الى المطبعة.
بعدها بعام التقيت بالشيتي في بيروت، وسألته عن الكتاب، وكعادته حدثني بظرفه المعهود عن أهم ما كتبه النقاد عن كتابه، وقال ان أبلغ وأجمل عبارة نقدية وصفت الكتاب تقول: الحقيقة أن أحمد الصافي النجفي لم يتوف برصاصة واحدة، وإنما برصاصتين، واحدة أطلقها القناص، والثانية أطلقها عليه عبد الله الشيتي. 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز

التعليقات