صدام قادم بين القوانين الفلسطينية والمعاهدات الدولية

  • السبت 2014-07-19 - الساعة 12:54
 الحال - شاشة نيوز - أدى الاعتراف الدولي بفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة إلى فتح آفاق واسعة أمام فلسطين للانضمام إلى معاهدات دولية تعزز مكانتها في المجتمع الدولي. وعقب ذلك، قرر الرئيس محمود عباس في الأول من نيسان من العام الجاري الانضمام إلى اتفاقيات دولية كانت أبرزها اتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، بالإضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
 
وجاءت هذه الخطوة ردًّا على عدم إفراج إسرائيل عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو. وكان الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني اتفقا على استكمال المفاوضات في شهر تموز الماضي تحت رعاية أميركية، على أن ينجزا الاتفاق على القضايا الرئيسية في غضون مدة لا تتجاوز التسعة أشهر، ووفق تفاهمات يلتزم بموجبها الجانب الاسرائيلي بالإفراج عن أربع دفعات من أسرى ما قبل اتفاقية أوسلو، وتجميد بناء المستوطنات بشكل جزئي مقابل امتناع الجانب الفلسطيني عن الانضمام لأيٍ من المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
 
وقد تبدو الخطوة الفلسطينية موجهةً ضد الجانب الإسرائيلي الذي اعتبرها خروجًا على قواعد المفاوضات وباشر باتخاذ إجراءات عقابية ضد السلطة الفلسطينية. ولكن ما لا يقل أهمية عن الأبعاد السياسية التفاوضية لهذه الخطوة، هو تبعاتها وانعكاساتها على المجتمع الفلسطيني وحياته الداخلية.
 
ولعل أبرز ما غاب عن مشهد انضمام فلسطين إلى هذه المعاهدات هو مدى قابلية البيئة القانونية والقدرة المؤسساتية على تطبيق المعاهدات وما تنطوي عليه من التزامات على أرض الواقع، فقبل انضمام أي دولة لإحدى المعاهدات الدولية، يتحتم عليها مراجعة الأجهزة القضائية والقانونية لتطبيق الاتفاقيات حسب القانون، أو التحفظ على بعض بنودها في حالة استحالة التطبيق، كتحفظ الدول العريبة كالأردن ومصر، على سبيل المثال، على البنود المتعارضة مع الشريعة الإسلامية.
إلا أنه في الحالة الفلسطينية، تم الانضمام إلى هذه المعاهدات دون أي تغيير أو تعديل في القوانين المحلية الفلسطينية، ودون أدنى تحفظ على بنود الاتفاقيات
 
والمعاهدات المشار لها. ففي معاهدة حقوق الطفل على سبيل المثال، يكفل البند العشرون حق الطفل في اختيار معتقداته الدينية، والبند الحادي والعشرون حق التبني. ويتعارض كلا البندين مع القانون الفلسطيني المستند إلى الشريعة الإسلامية المعمول بها في قانون الأحوال الشخصية الفلسطينية، في حين تنظم الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية وفق قوانين خاصة ومحاكم كنسية.
 
الاتفاقية المختصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وقعت أيضًا في هذه المعضلة، كالبند السادس عشر المتعلق بقضية الزواج والطلاق؛ فالبنية القانونية والمجتمعية في الحالة الفلسطينية تتعارض مع هذا البند الذي يكفل المساواة الكاملة للمرأة في قضيتي الطلاق والزواج بمعزل عما هو مطبق في الشرع الإسلامي والقوانين الفلسطينية المحلية.
 
ويرى المحامي والحقوقي من مؤسسة الحق عصام عابدين في مقابلة مع "الحال" أن الموقف الرسمي تشوبه الغرابة فيما يخص اتفاقية (سيداو) التي وقع عليها الرئيس عام 2009 كمرسوم أولي مع التحفظات، ولم يتحفظ عليها في العام الجاري. ويقول عابدين إن عملية الانضمام إلى هذه المعاهدة تدل على خلل في الجانب الفلسطيني، مضيفًا أن هذه البنود تحتاج إلى نقاش مجتمعي جدي وسياسات جديدة على المستوى التشريعي، فالمصادقة دون تحفظات تتطلب التزامًا كاملاً بحذافير المعاهدة.
 
 
 
وأردف عابدين: "الموضوع حساس، ومن المتوقع أن تقدم المؤسسة الفلسطينية الرسمية تقريرًا أوليًّا لمعاهدة (سيداو) في شهر نيسان من العام المقبل، ويبدو أنه لا توجد خطة سياساتية ومجتمعية حقيقية. وفي حال عجز السلطة عن الوفاء بهذا الاستحقاق في الوقت المناسب، فمن الممكن اعتبار المؤسسة الرسمية الفلسطينية مُخالِفة للقوانين الدولية.
ولم يقتصر الموضوع على المستوى التشريعي فقط، بل طال البنية المؤسساتية والاقتصادية على حد سواء، كمعاهدة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تشترط على الدولة المُنضمة تأهيل ومواءمة المرافق العامة كافةً لما يتناسب مع حاجات الاشخاص ذوي الاعاقة. ويتطلب تطبيق هذا البند قدرة مالية من أجل تغيير البنى التحتية الفلسطينية في ظل أزمات مالية مستعصية.
المستشار السياساتي في مكتب دائرة شؤون المفاوضات عبد الجواد حمايل يرى أن هناك مجالاً للنظر بشكل معمق بالقوانين، فيمكن لأي دولة مُنضمة أن تتحفظ بالمستقبل على أي بند تريده.
وقال حمايل لـ "الحال" إن القيادة الفلسطينية فضلت عدم التحفظ على هذه البنود بشكل مرحلي تجنبًا لأي انتقاد من قبل المجتمع الدولي، خاصةً أن الانضمام الفلسطيني لهذه الاتفاقيات يقابل برفض سياسي أميركي وإسرائيلي.
وأضاف حمايل: "لقد تم تشكيل لجان عمل في المؤسسات الرسمية والقانونية من أجل متابعة أي تعديلات تشريعية أو تغييرات مؤسساتية تتطلبها هذه الاتفاقيات والمعاهدات".
 
وفي السياق ذاته، قالت المحامية هالة الشعيبي لـ "الحال" إنه حتى لو تم تشكيل فريق من المحامين للنظر في التشريعات، فإن البنية القانونية غير جاهزة لاستيعابها.
وأضافت حول تبعات هذه الخطوة: "بإمكاننا كحقوقيين استخدام هذه البنود في بعض القضايا، ولكن في الحالة الفلسطينية، سيبقى القانون المستند إلى الشريعة أسمى من القانون الدولي، فالقضاء الفلسطيني ما زال غير مستقر، وعليه أن يكون أكثر واقعية وجدية إزاء هذه التشريعات".
 
 
وفيما يخص إمكانية رفع المؤسسة الرسمية لتحفظات مستقبلية حول بعض هذه البنود، أكدت الشعيبي أنه في حال قيام الدولة المُنضمة بالتحفظ على بعض البنود بعد انضمامها للمعاهدات، فعليها أن تحصل على موافقة كافة الدول المنتسبة لهذه الاتفاقية.
 
وما يبدو جليًّا أن انضمام فلسطين للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ليس مجرد فقاعة إعلامية ولا مجرد ردّ على فشل المفاوضات، بل هو خطوة تترتب عليها التزامات وتبعات على البنية القانونية والمجتمعية الفلسطينية يجب أن تؤخذ على محمل الجد لما تكفله من حقوق لكافة شرائح المجتمع الفلسطيني.
 
 
ريتا أبو غوش
 طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت 
 

التعليقات