راتب ممنوع من الصرف !

  • الثلاثاء 2013-03-12 - الساعة 07:36

 

 
 
 
 
ربما كانت مفارقة مؤلمة، تلك التي تحكي عن تلميذ أجاب معلمه حينما سأله عن اسم ممنوع من الصرف بقوله على الفور: إنه الراتب يا أستاذ، لكنها - أي المفارقة توحي إلى أي مدى درامي، وصلته قصة رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، التي وان كانت عادت للانتظام بالدفع، إلا أنها تدفع متأخرة وحين يكون الشهر التالي قد شارف على الانتهاء!
 
ولعل قضية الرواتب على أهميتها وبسبب من انشغال القطاع الأعظم من الناس بها، ليست هي كل المشكلة، بل إنها أحد أوجه الأزمة المالية التي تواجهها السلطة منذ وقت، وتظهر على أنها خاصرة السلطة الضعيفة، التي يمكن أن يمارس الضغط عليها من خلالها، من اكثر من جهة.
 
فيما يتعلق بحقوق العاملين في الوظيفة العامة، اخفت قصة تأخر صرف الرواتب الكثير من الحقوق العامة، منها ما يتعلق بعلاوات وترفيعات الموظفين، كذلك ما يتعلق بتعيين موظفين جدد، ومواجهة البطالة التي تتعمق في المجتمع الفلسطيني، ناهيك عن المشاريع والخدمات العامة، وكأن السلطة باتت تؤدي مهمة وحيدة فقط، هي صرف الرواتب.
 
ربما لا نبالغ لو قلنا بأن السلطة قد تحولت سريعا إلى نظام يشبه النظام العربي من حيث مديونيته العامة، وعجزه عن مواجهة تفاقمها، ولعل هذا ما دفع الدكتور نبيل قسيس وزير المالية إلى تقديم استقالته، حين اكتشف انه ليس أكثر من دافع مرتبات للموظفين، فيما مالية حكومة السلطة لها مهمات أبعد بكثير من هذه. ولا أحد يدري مصير تلك الاستقالة، بعد أن قيل بأن رئيس الحكومة قبلها في اجتماع حكومي فيما رفضها الرئيس! 
 
لا شك أن المسألة المالية مرتبطة بالموضوع السياسي، ولا شك أنها قضية صراع، خاصة حين يكون العنوان السياسي له علاقة بالصراع مع إسرائيل، وفي ظل انقسام داخلي، بدد المساءلة الشعبية الواجبة، مع "اختفاء" السلطة التشريعية، لذا لم يسأل أحد الحكومة عن حصيلة أدائها خلال خمس سنوات مضت، ولا عما حققته، فيما يتعلق ببرنامج إنهاء الاحتلال وبناء مؤسسات الدولة، الذي أخذت على عاتقها تنفيذه خلال سنوات ( 2008 _ 2011 )، ولا حتى عن أولويات الصرف وكيفيته.
 
يمكن القول بأن الحكومة إنما هي في الحقيقة حكومة تصريف أعمال، منذ أن تم تشكيلها، ولكن الى متى، هذا هو السؤال المعلق بأكثر من خيط، أهمها بالطبع خيط الانتخابات العامة، المؤجل ارتباطا بمصالحة لا تتم.
 
هل يعني هذا أن حالة العجز القائمة، حيث يعجز الجميع عن توحيد الوطن، وعن إقامة حكومة فعالة، تحشد كل الطاقات من أجل ليس فقط الدفع بإرادة التحرير الى الأمام وحسب، ولكن على أقل تقدير، الارتقاء بالمستوى الحياتي للناس، انما هي حالة مفروضة من الخارج، حتى يظل الوضع الفلسطيني تحت السيطرة؟! ربما كانت الإجابة هي نعم، ولكن أين هي إرادة الرفض والتغيير، التي طالما عبرت عنها الإرادة الشعبية، أم ان النخبة السياسية الفلسطينية وبالجملة باتت جزءا من المشكلة، وليست جزءا من الحل، هذا سؤال جارح _ بتقديرنا _ لكن لابد من طرحه.
 
 وإذا كانت حالة العجز، تعم المنطقة بأسرها، بما في ذلك إسرائيل، التي تعجز بعد نحو أربعين يوما، على إجراء انتخاباتها العامة عن تشكيل حكومة، وتشمل مصر التي تحترق، وسورية التي تتآكل، والعراق الذي يراوح مكانه، وحالة الانتظار التي تشمل الجميع، حتى أولئك في الجزيرة العربية والخليج، فأنه لابد من القول بأن الحلول لا تهبط من السماء، وقد تأكد أن العرب قد وضعوا الفلسطينيين تحت رحمة الإسرائيليين تماما، وبددوا شبكة الأمان، لذا، فلا مناص من البحث عن حلول طويلة الأمد، تستند إلى المقدرات الذاتية، وقد باتت الشعوب العربية، ومنها الشعب الفلسطيني أمام خيارين لا ثالث لهما : إما الخضوع والاستسلام، وتسليم مفاتيح المنطقة للبيت الأبيض ووكلائه في المنطقة وفي مقدمتهم إسرائيل، أو شق الطريق لكفاح وطني جامع لكل القوى المختلفة والمتباينة، على طريق الانعتاق، وهو طريق شاق وصعب، لكنه أمر لابد منه، ولا بديل عنه !
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز