التعليم وجامعة الدول العربية

  • الإثنين 2013-03-11 - الساعة 08:56

 
 
ثمة مؤسستان تعليميتان، تابعتان لجامعة الدول العربية. واحدة تسمى «معهد البحوث والدراسات العربية» والأخرى هي «الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري». الأولى تلمّست طريقها الى الرواج التجاري، على نهج المؤسسات التعليمية الاستثمارية، لكنها حافظت على تواضع مستواها التعليمي، الشبيه بأحوال جامعات القطاع العام في مصر، دون الظفر بمكانة هذه الجامعات، على أصعدة المعادلة والتصديقات وسواها من التدابير الإدارية. أما الثانية فقد استجمعت كل روح «البزنس» وتحولت الى جامعة استثمارية حامية الرأس، وإن كانت تنتسب الى مؤسسة العمل العربي المشترك، التي تُسمى مجازاً «بيت العرب». فالمُفترض أن يتحسس القائمون على العمل العربي المشترك، حاجة الأمة الى التطور العلمي، وأن يبادروا الى تأسيس المزيد من المعاهد التي تحتضن الناشئة، للدراسة الأكاديمية المتطورة بأكلاف زهيدة. ذلك لأن الهدف الأول، لجامعة الدول العربية من إقامة أكاديمية النقل البحري، انبثق أصلاً عن فكرة المزاوجة بين المال العربي، والكفاءات التعليمية التي تهاجر بحثاً عن وظائف مجزية.
 
وفي الحقيقة، ظهرت فكرة مشروع التعليم التقني، في كنف الإجماع العربي، ابن زمنه القومي، في ربيع السنة نفسها، التي رحل طيب الذكر جمال عبد الناصر في خريفها. ولكي تكون الفكرة مغرية، فقد بدأ تنفيذها بحقل النقل البحري، لأن التعليم فيه، من شأنه مجاراة الرغبات العربية النفطية، في الاستحواذ على قدرات وطنية لارتياد البحار وامتلاك السفن وتكوين الربابنة، وللانخراط في حركة النقل الدولية، تصديراً للنفط واستيراداً للبضائع. وفي أيام الفكرة، وقبل السّكرة الدولارية، كانت جامعة الدول العربية قد تحولت الى مؤسسة إقليمية تدب فيها روح «ثورية» جديدة، غير تلك التي واكبت نشأتها. فقد بدأت «الجامعة» في منتصف الأربعينيات، نادياً لممثلي وجهاء المدن العربية، من أبناء الأرستقراطيتين الحضرية والبدوية، المطربشة رؤوسهم بالطرابيش الحُمر، كأنها أعراف الديوك، وببدلات الجوخ الإنجليزي داكنة الألوان، وأحذيتهم اللامعة أبداً. 
 
بعد فترة عبد الرحمن عزام، راعي الوئام الحضري ـ البدوي، بدأت جامعة الدول العربية في التحول الى مناخات أخرى، وظلت كذلك حتى يوم انتقالها من مصر الى تونس، وبعودتها «المباركيّة» بدأت تدب فيها روح أخرى لا مجال الآن للحديث عنها، لكن أقل ما يُقال عنها انها فترة التساكن والتصالح بين كل شيء ونقيضه، الرعاية الصحية الرحيمة، وفاتورة العلاج الغليظة شديدة القسوة. الخطاب الاجتماعي الواعد برخاء الشعب وبحبوحته وسعادته على كل صعيد، وانحطاط الأداء في المؤسسات والمرافق التي يرعاها الخطيب وسلطته. العمل القومي ذو الوعود الحانية والقصوى، وأكل «الهواء» للشعوب بأيدي الواعدين. شق الثوب تظاهراً بالتأسي على فلسطين والحماسة لها، وفي الوقت نفسه خوزقتها بأيدي «المتحمسين» أنفسهم!
 
مؤسسة «الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري» بدأت متواضعة تتوخى معونة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP وقد توسلت نحو ثلث تكلفة إنشائها من الأغراب على أن يسدد الأعراب الثلثين. واللافت أن هذه «الأكاديمية» تميّز في الرسوم، بين الطالب المصري والطالب اليمني. فالثاني في نظامها، هو مجرد أجنبي أو وافد، بينما هي ثمرة عمل قومي يعتمد مبدأ المساواة والأخوة العربية. 
 
وعندما سمعنا باسم هذه المؤسسة للمرة الأولى، كان الظن أنها استعانت بلفظتين أعجميتين (أكاديمية وتكنولوجيا) لمجرد الإيحاء بأنها ستتميز وستأخذ بأسباب التقنية الغربية في إدارة المؤسسة، وفي مناهج ونُظم التعليم الحديثة والمتجددة. لكن الذي اتضح أن التطلب الدولاري ورفع الكلفة على أبنائنا العرب الذين يتعلمون، كان يتورم سنة بعد أخرى، فيما «بيت العرب» يتفرج، وليس من مغيث عربي بترولي، لجامعة الجامعة، ولو بمقدار ما يُصرف على أربعة لاعبين في ميدان كرة القدم. فالعرب، يفتشون عن مجد الأمة ورفعتها، بين قدمي لاعبين من نيجيريا أو من بوركينا فاسو وشاطئ العاج. وليس عن طريق فتح فضاءات العلم لأبناء الفقراء من الأمة لكي يحققوا النجاحات بمواهبهم. وبالطبع كانت جامعة عصمت عبد المجيد وعمرو موسى تتفرج، لأن الزمن هو زمن تفشي «البزنس» مترافقاً مع الاستبداد. وفي الحقيقة، جاء الأمين العام الجديد نبيل العربي، في الوقت الصعب، وفيما جامعة الدول العربية في أضعف حالاتها، تتوسل في السياسة إن لم تتوسل في التمويل والعكس صحيح. يزجرها أضعف الخلق من الكيانات الصغيرة المترفة، التي كان وجهاؤها، في الزمن الجميل، عندما يدخلون بوابة «الجامعة» في وسط المدينة، يحسون بالسعادة والرضا والامتثال مع الامتنان ونيل أعز الأمنيات! 
 
نتمنى على أمين عام جامعة الدول العربية، أن يولي عناية لتصويب علاقة المؤسستين التعليميتين، التابعتين لـ «بيت العرب» برسالتهما التعليمية والقومية. فالطالب العربي المتفوق، الذي يلتحق بـ «الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري» قادماً من بلد فقير ومن أسرة فقيرة، يضطر للاستدانة لكي يدفع مبلغاً من ثمانية الى عشرة آلاف دولار في السنة، بخلاف مصروفات حياته. وقيل إن هناك تخفيضاً استثنائياً للفلسطينيين وللسوريين، وهذا نمط من التمييز الإيجابي حسب تعبير نشطاء المرأة، وهو لا يريحنا تماماً. المنطق أن ينتهى هذا التسعير البغيض للرسوم الدراسية، ورفع كاهله عن طلاب وطالبات، إن لم يشفع الفقر لهم ولهن، فليشفع التفوق الدراسي. وعيب أن يكون لجامعة الدول العربية، مؤسسة تعليمية ربحية استثمارية، ترفع الأسعار مع ارتفاع معدلات الطلب. في مقدور الجامعة التي لها رسالة محترمة، أن ترفع معدلات القبول كلما تزايد الإقبال على التعليم الجيد. لقد وصلتني رسالة من طالب يتعثر الآن في الدفع العاجل لقسط الفصل الدراسي الثاني، ومقداره 3500 دولار. وكان ما يبعث على الذهول هو القرار المستهجن، بفرض غرامة تأخير لثلاثة أسابيع على الطالب قيمتها 250 دولارا. أي إن الغرامة تبلغ أكثر من عشرة أضعاف الفائدة الربوية على مبلغ مماثل لنفس المدة، التي يمكن أن يقررها أعتى وأشد البنوك غلاظة!
 
سأضع هذه السطور ـ بفكرتها، وعلى تواضعها ـ بين يدي الأمين العام د. نبيل العربي. فهذه فرصته لأن يغيّر ويبدل، وأن يعمل على تغطية نفقات التعليم في مؤسستي جامعة الدول العربية، على أن تتقرر على الدارسين، رسوم رمزية. فالأجدر بالدفع هم الذين ينفقون بسخاء على أشياء تافهة. فجامعة الدول العربية لم تتأسس لتكون شاهد زور، يهنأ موظفوها برواتب عالية وتسكت مؤسستهم عن إرهاق الناس وإفقارهم لمجرد أن أبناءهم يطمحون الى تعليم معقول. وفي مقدور أمين عام الجامعة، أن ينأى بمؤسستي التعليم التابعتين لـ «بيت العرب» عن عالم المال والأعمال الجشع، وعن سوق التعليم الاستثماري الذي لا قلب له، وعن رداءة السياسة العربية. لقد تردى التعليم الحكومي في العالم العربي، مع تردي السياسات وانحطاط الأنظمة. وكانت رداءة التعليم موصولة برداءة السياسة، بعضها من بعض. ويمكن بقليل من الجهد، أن لا تتبدد رسالة جامعة الدول العربية على صعيد التعليم، لأن في تضييع الرسالة سقوط في أبسط الاختبارات وأقلها تعقيداً!
 
www.adlisadek.net
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز