بين تشافيز وعبد الناصر

  • الأحد 2013-03-10 - الساعة 17:00

 

 
اعلن تشافيز في اكثر من مقابلة صحفية انه ينتمي للمدرسة الناصرية التي اسسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، هذه المدرسة التي جعلت مصر في مرحلة من المراحل محط انظار المتطلعين للحرية والتقدم في كل بقاع الارض. 
 
واعتزاز تشافيز بتتلمذه في هذه المدرسة وهذا الخط السياسي التحرري والتنموي يعبر عن وفائه لقامة عربية واممية، انطلاقا من الدور العربي والعالمي الذي لعبه واضطلع به عبد الناصر بخاصة عندما تسنى له المبادرة الى تاسيس دول عدم الانحياز مع نخبة من الزعماء، الذين ادركوا ان الدول النامية والشعوب المتطعطشة الى استقلال سياسي واقتصادي حقيقين من شأنها ان تترك بصماتها الواضحة في السياسة الدولية بشكل عام. 
 
لم يرفع عبد الناصر الشمسية في القاهرة عندما كان البرد يتساقط في موسكو، ولم ينحن امام ضغوط الدول الكبرى الرأسمالية ولم يحد عن الانحياز للعمال والفلاحين والشرائح الفقيرة والمتوسطة، بمعنى انه لم ينجر الى الركب الرأسمالي، رغم الحصار الذي عانته بلاده. كان عبد الناصر صاحب مشروع قومي تحرري منفتح على العصر من خلال جسور انسانية ابهرت العدو والصديق على حد سواء. 
 
لقد خطف الموت مبكرا هذا الرمز التحرري، فجرى انقلاب على مشروعه من بعض رفاق دربه، الذين بدلوا الاتجاه وسلكوا اتجاها مغايرا مختلفا، اوقع بلادهم في مديونيات وقادها الى تبعيات، فانفتخت جيوب وارصده الانفتاحيين والكمبرادور وزاد الفقراء فقرا وصار الحصول على لقمة الخبز بالنسبة اليهم صعبا ومعقدا. لكن فكر عبد الناصر يعود الان من جديد، بعد ان ادركت الشرائح الفقيرة والمهمشة ان فتات الراسمالية قد قذف بها الى قارعة الطريق والى السكن في المقابر. 
 
وعودة الى تشافيز الذي رحل مبكرا كما عبد الناصر، بعد انصف فقراء بلاده ورفع من شأن فنزويلا بين الدول كدوله مستقله ذات خط واضح مناهض للهيمنة والتبعية والاستئثار. فالتفت الجماهير الشعبية حول برامجه وشعاراته كما فعلت الجماهير في الحقبة الناصرية في مصر والوطن العربي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. رحل وهو في اوج عطائه وعنفوانه وشعبيته، لاسيما بعد ان اصبح رمزا لشعوب امريكا اللاتينية، بل وكل الشعوب الفقيره والمظلومة التي تنشد الحرية والاستقلال والتنمية في العالم باسره. 
 
وامام المؤامرات والانقلابات والحصار والاستهداف صمد تشافيز وتشبث بمبادئه وطروحاته، تماما كما عبد الناصر، لذلك فان مسح تراثه ومآثره كما يظن الطامعون في السيطرة والتسيّد، سيفشل بالتاكيد، لانه سيرتطم بالارادة الشعبية الفنزولية، بخاصة وانه اسس لديمقراطية، لم يتسن لعبد الناصر التأسيس لها لانقطاع سياق تجربته بسبب رحيله المبكر، حيث انه لو استمر سنوات اضافية، كان من المؤكد انه سيستجيب للتطورات والتفاعلات الديمقراطية في التخلي التدريجي عن المركزية التي فرضتها الحروب والمواجهات والعسكره والتحديات الخارجية. من هنا فان المطلوب من الناصريين الجدد الان ان يطوروا ويؤسسوا لتجربه ديمقراطية تعددية واسعة لم يتح المجال لعبد الناصر لكي يؤسسها، الامر الذي اعتبر من قبل كثيرين وانا منهم احد ثغرات الناصرية في ذلك الحين.
 
اذن ما بين عبد الناصر وتشافيز قواسم مشتركة كثيرة، ابتداء من الكاريزما ومرورا بشجاعة القائد وقدرته على التأثير والاستقطاب. بين عبد الناصر وتشافيز وشائج قوية من الانتصار للفقراء ومن مناهضة الظلم والاستكبار والسيطرة الاجنبية. بين الرجلين قصة مضمخة بالدم والعرق والتضحيات والرحيل المشرف وحفر الاسم بحروف من كبرياء في سجل الخالدين. 
 
بين عبد الناصر وتشافيز حزن عميق خلفه الرحيل في قلوب الجماهير التي تنشقت عبير الكرامه والاخلاق الجماعية وحب الوطن. بين عبد الناصر وتشافيز في المقابل ذلك التشفي الذي استولى على المتربصين بثروات الشعوب. بين عبد الناصر وتشافيز روح التحدي المعجون بارادة القائد الذي قرر المضي في طريق العمل والعطاء حتى النهاية. 
 
بين القائدين عشق لتنمية انطلقت من خصوصية بلديهما وتحالفاتهما، تنمية ارتبطت بالسعي لبناء اقتصاد قوي، يجعل اتخاذ القرارات السياسية مستندا الى ارضية صلبه ، فالتابع اقتصاديا سيكون تلقائيا تابعا سياسا، فلا استقلال في الموقف السياسي في ظل اقتصاد يحبو او يزحف او اقتصاد في الرمق الاخير.
 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز