عن القاهرة والدويك وهوغو تشافيز

  • الأحد 2013-03-10 - الساعة 07:49

 

عن القاهرة والدويك وهوغو تشافيز
 
 
 
كنت الأسبوع الماضي في زيارة للقاهرة، والمحروسة كما تعلمون هي معشوقة العرب، وبما أننا عرب فهي معشوقتنا. لذلك فإن زيارة القاهرة لها مذاق خاص قبل وبعد الثورة.. ميدان التحرير صار رمزا من رموز الحرية على الصعيد العالمي، ومكانا تهفو اليه القلوب، وزيارته دائما كانت قبل زيارتي هذه في أولويات اهتمامي.. ولشغفي بالمكان صرت نزيلا وزبونا في فندق سميراميس المطل على النيل من جهة، وعلى أطراف الميدان من جهة أخرى، وبالطبع كنت أختار غرفة مطلة على الميدان على الرغم من أن معظم النزلاء يحبذون إطلالة النيل.
 
لكنني في زيارتي الأخيرة لم أذهب الى سميراميس وإنما إلى فندق آخر يبعد عن المكان وعن الميدان.. فالميدان الذي كان رمزا للحرية لم يعد يشغله ثوار25 يناير، ولم تعد تشغله قوى سياسية، بل صار مكانا يشغله أناس بلا هدف.. شباب غاضبون، شباب عاطلون عن العمل، مجموعات تسمي نفسها بلاك بلوك، باعة متجولون، مشاغبون يغلقون مجمع الخدمات الحكومية، ويغلقون الطرق المحيطة بالميدان، بلطجية أو بلاطجة يعتدون على المنشآت الخاصة، ومن هذه المنشآت فندق سميراميس الذي دخلوه وروعوا نزلاءه، وحرقوا ودمروا بعض أثاثه ومقتنياته، وسطوا على ما تمكنوا من الوصول إليه من موجودات الحوانيت المفتوحة داخله. 
 
يارتي الأخيرة للقاهرة كانت مؤلمة، لأنها تعيش حالة فوضى ناجمة عن الفلتان الأمني، ومحبطة بسبب السياسات التي ينتهجها حزب الحرية والعدالة، سياسات الهيمنة والاستفراد والسطو على الثورة، وسياسات أخونة الدولة. القاهرة مكدودة ومتعبة وخائفة. الشرطة أعلنت الإضراب لأنها سئمت من مواجهة المتظاهرين، والتجار وأصحاب المحلات التجارية، صاروا يغلقون الساعة التاسعة مساء بسبب تردي الوضع الأمني ولم تعد القاهرة تلك المدينة التي تسهر على ضفتي النيل حتى الصباح. كنت حزينا وأنا اتجول في شوارع ومعالم المدينة التي أحبها، لذلك التقطت صورة النيل وكوبري قصر النيل ونشرتها على صفحتي على الفيس بوك وكتبت تحتها: من القاهرة تحية الى أصدقائي.. رغم كل شيء لم تفقد القاهرة جمالها.
 
-2-
وفي القاهرة كنت حريصا على متابعة أخبار وطني فلسطين من خلال تلفزيون فلسطين، وقد شاهدت فيما شاهدت يرنامجا عن الدين والسياسة، شارك فيه بعض الإخوة، ومنهم رئيس مجلسنا التشريعي عزيز الدويك، وكان موضوع الحلقة: المصالحة. مشاهدة البرنامج زادت حزني، وصدمني ما قاله الدويك عن أن سبب الانقسام هو خلاف بين الإسلاميين الذين يحملون راية الشريعة الإسلامية من جهة، وبين العلمانيين الخارجين عن هذه الشريعة.. وكان يردد السؤال: ما حكم العلمانيين في الشريعة الإسلامية؟ وكان كما لو أنه يكفر كل من يخالفه في الرأي! 
 
أحزنني أن يكون رئيس المجلس التشريعي يمارس الإرهاب الفكري على هذا النحو، لأن لا أحد من الفصائل التي تعارض حماس بما فيها حركة فتح تقول عن نفسها إنها علمانية.. في الساحة الفلسطينية حركة وطنية فيها وسط ويسار، ولا يوجد تنظيم علماني على الرغم من أن العلمانية لا تعني الإلحاد، وإنما تعني فصل الدين عن الدولة، فما رأي الدويك بالعلمانية التركية التي يحكم في ظلها حزب إسلامي لا تضيره العلمانية ولا تمنعه من الحكم ومن معتقده وثقافته الإسلامية؟ ليس المجال هنا كافيا لمناقشة الدويك فالكلام الذي يطلق من المستوى السياسي في بلادنا ملقى على قارعة الطريق. 
 
لكن ما أحزنني أن يكون رئيس مجلسنا التشريعي الذي يجب أن يجمع ولا يفرق باعتباره وبحكم موقعه لا يمثل حماس فقط بل يمثل كل الشعب بمختلف مكوناته وتوجهاته وخياراته، أحزنني أن يكون رجلا ذا بعد واحد لا يؤمن بالتعددية ولا يحترم الرأي الآخر. وفي هذا الصدد فإذا ما كان يقصد أخونة فلسطين فانه يسير في طريق لم يجلب لمن سار عليه غيرالفوضى ومخاطر انهيار الدولة، وإخوان مصر نموذج.. فلسطين لن تكون إلا دولة مدنية ديمقراطية لا دولة دينية.. دولة كل مواطنيها مهما كانت خياراتهم.
 
-3- 
وأخيرا أحزنني وأنا في طريق العودة للوطن رحيل الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، وأحزنني أكثر خبر تحنيطه ووضعه في المتحف الوطني.. وكنت قد شاهدت لينين محنطا في ضريحه بالكرملين في موسكو قبل عشرين عاما، وساءني ما شاهدت، كما شاهدت في زيارتي قبل الأخيرة جناح المومياءات في المتحف المصري الذي يجاور ميدان التحرير، ورأيت الفراعنة المحنطين منذ آلاف السنين وقد تفحمت جثامينهم، وبدا منظرهم مفزعا. وكان بودي أن يدفنوا الزعيم تشافيز كما يدفن الفقراء الذين أحبهم وأحبوه، لأن باطن الأرض أكثر دفئا لرجل لم يفكر يوما بالخلود كما فكرالشموليون والفراعنة. وهنا تكمن حكمة المقولة: إكرام الميّت دفنه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز