حصاد الثورات

  • الأربعاء 2013-02-20 - الساعة 08:30

 

 
حافظ البرغوثي 
 
احتفلت تونس بذكرى ازاحة بن علي قبل فترة .. ثم احتفلت مصر بذكرى الاطاحة بمبارك .. واحتفلت ليبيا ايضا بذكرى الاطاحة بالقذافي واليمن بذكرى الاطاحة بعلي صالح .. فبعد عامين من انتصار الثورات الشعبية يواجه الحكم الجديد في هذه الدول معضلات وتمردا شعبيا داخليا واوضاعا اقتصادية واجتماعية وعقائدية معقدة حتى لم يبق من الثورات سوى القمع والاضطهاد والقتل وقريبا اي في شهر نيسان سيحتفل العراق بذكرى تحريره من صدام حسين. فلا أحد يحن الى الدكتاتورية الفردية السابقة لكنه ايضا لا يرضخ للدكتاتورية الحزبية الجديدة.
 
فالعراق يعيش أزمة متفاقمة منذ عام 2003 حيث الكهرباء لمدة ست ساعات يوميا في بلد منتج للطاقة .. وحيث لا أمن ولا مياه غير ملوثة ولا صرف صحي وبطالة مستشرية ونفايات متكدسة في شوارع تونس وليبيا ومصر وانتشار السلاح في أيدي مليشيات في المدن الليبية حتى ان بنغازي عادت وطلبت مساعدة مقاتلين من أنصار الشريعة لفرض الأمن فيها وحماية المنشآت بعد ان كانت طردتهم بعد الهجوم على السفير الاميركي. ووضع تونس المتردي اقتصاديا عاد الى لغة الاغتيال وتصفية المعارضين للنهضة.
 
وفي اليمن يظل الوضع مضطربا وكأن الرئيس السابق ما زالت له قوة التأثير في مجريات الأمور. وعاد خليفته الى سياسة توزيع المناصب على الاقارب.
 
عمليا لم تنجب الثورات النهضة الموعودة .. خاصة في مصر التي تعيش منذ عامين صراعا داخليا شاملا فيه قتل وسحل وفقر واغلاق أربعة آلاف مصنع وافلاس وشيك ان لم يتدخل البنك الدولي الربوي لانقاذ معارضي الربا. فالأقطار الأكثر خطورة حاليا اقتصاديا هي الدول التي مسها الشيطان الاميركي والغرب عموما بعصاه وحيّد الثورات الشعبية عن أهدافها بفرض حكام محدثي سلطة ويحاولون ان يتحولوا الى محدثي نعمة بنهب البلاد، فالعراق يبلغ دخله السنوي أكثر من مئة مليار دولار وما زال يعاني من جميع المشكلات الاقتصادية ناهيك عن الأمن وعن العصيان الشعبي في محافظاته المهمشة ذات التوجه العروبي غير الطائفي.
 
 ومصر تحول قادة اخوانها الى تجار يستوردون السلع عبر دمياط دون ضرائب ويبيعونها في متاجر جديدة لأنهم يريدون الربح السريع وليس مهماً اغلاق آلاف المصانع المنتجة والربا يمكن هضمه بمسيمات اسلامية كالصكوك الاسلامية فكل ما هو محرم في نظرهم سابقا يمكن تحليله باضافة كلمة اسلامي عليه .. والبطالة تفشت في بلدان «الثورات» الى اكثر من 25 في المئة فخرج من النهضة في تونس من يقول اذا لم نكن قادرين على الحكم فلماذا تسلمنا الحكم؟ وخرج كذلك في مصر من الاخوان من يكرر الكلام نفسه .. وكان خالد مشعل اعترف من قبل من عاصمته الدوحة بأن حماس فشلت في الحكم وقال: على الاسلاميين ان يعترفوا ان الحكم أعقد مما كانوا يتصورون وقبل ذلك شهدنا افلاس تجربة البشير في السودان الذي يقود تلك البلاد الى التفكك والتقزم. فحماس بعد سنوات من القمع والتغني بانتصارات وهمية دفع فيها الشعب آلاف الشهداء واصطنعت التأييد الشعبي بالمساعدات العينية والكوبونات فوجئت بالتسونامي الشعبي في ذكرى انطلاقة فتح وها هي تتسول العلاقات مع الاحتلال.
 
الفشل في الحكم باسم الاسلام لا يعني فشل الاسلام، بل فشل الاسلاميين، لأن الاسلام لا يقول ما يقولونه ولا يدعو الى ما يدعون اليه، بل الى الوحدة والألفة والمودة، فحماس خلال سني حكمها في غزة كدست حجم فساد ومحسوبية وكذب ونفاق ما لم تشهده منظمة التحرير منذ انشائها قبل عقود طويلة .. وفترة حكم الاخوان القصيرة في مصر شهدت فسادا وقتلا وفوضى وانهيارات اجتماعية واقتصادية ما لم تشهده مصر في تاريخها خلال ستة عقود. أليست هذه التجارب الفاشلة بحاجة الى اعادة نظر والعودة الى جوهر الحكم الاسلامي السمح لأن هذه النماذج المدعية للاسلام أسوأ عدو للاسلام، فالتحرر في ظلال الغرب نقيض للتحرر في ظلام الاسلام.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز