صمود قطاع غزة رفع السقف السياسي الفلسطيني

  • الأحد 2012-12-02 - الساعة 11:09

 

بقلم: د.حسن عبد الله
 
ربما تكون اسرائيل قد ضيعت فرصةً ثمينةً يصعب تكرارها، للتوصل الى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين، لكن القيادة اليمينية التي ظنت انها تستطيع انتزاع كل شيء من الفلسطينيين دون ان تقدم لهم اي شيء، اصابها الطمع والغرور وعمى الالوان والعقم في التقدير والاستقراء، لانها تصورت ان الامور ستظل كما هي، وان حركة التاريخ توقفت في محطةٍ مجافيةٍ للفلسطينيين والعرب، وان مغادرة هذه المحطة هو ضرب من ضروب المستحيل، حيث تهيأ لها ان الانقسام الفلسطيني سيستمر الى الابد، وان التنازلات التي قادت الى اتفاقات اوسلو ستقود الى تنازلات اوسع واكبر تصل حد التنازل عن القدس وحق العودة والتسليم بالاستيطان، والاكتفاء بالعيش الذليل في كنتونات ينام ويقوم ساكنوها وفق المشيئة الاسرائيلية.
 
كما تهيأ للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ان العرب يعانون من حالة سبات ابدية، وان تغير واقعهم يحتاج الى معجزة لا تأتي ولا تتحق أبداً، بعد ان ولى زمن المعجزات. وتهيأ للحكومات الاسرائيلية ايضا، ان العالم سيظل صامتاً لا يحرك ساكناً، ولا يملك ان يقول لاسرائيل كفى.
 
لكن ما الذي حققه الاسرائيليون من هذه القراءات الخاطئة؟
 
الحقيقة انهم لم يحققوا سوى اهدار فرص السلام، الفرصة تلو الاخرى، متناسين ان الزمن لا يخدمهم ولا يعمل في صالحهم، لانهم لم يقرأوا تاريخ الشعوب جيداً، ولم يستخلصوا الدروس والعبر من تجارب الاستعمار القديمة والحديثة، ولم يسألوا انفسهم اين ذهبت الامبراطوريات التي كانت تخضع الاخرين بجبروتها واساطيلها؟! وتناسوا كذلك ان الفلسطينيين اسوة بشعوب الارض، لا يمكن لهم التسليم بالذل والقمع ، وان اية انتكاسات تعتري مسيرتهم من تراجع وانقسام هي طارئة، وان خلافات القادة ليس بالضرورة ان تنعكس على الشعب.
 
لذلك وارتباطاً بالقراءات الخاطئة فان نتنياهو قد فاجأه تضامن الفلسطينيين في الضفة مع اخوتهم في القطاع عندما تعرضوا للعدوان الاخير كما صرح هو نفسه . ولم يدرك ان وحدة الدم والمصير التي تجمعهم هي اقوى من انقسام بين فصيلين مهما كان حجم خلافاتهما . مثلما تفاجأت حكومته من الصمود الذي ابداه الانسان الفلسطيني خلال العدوان الاخير على قطاع غزة سواء كان مقاوماً او مواطناً عادياً ليس له علاقة مباشرة بالمقاومة بمفهومها القتالي، لكنه يؤمن ان الصمود والبقاء على ارضه يعزز ويقوي صمود المقاومين، لان صموده ايضاً يندرج في اطار العمل المقاوم.
 
ان الصمود في قطاع غزة قد أسس لمرحلةٍ رفعت من السقف السياسي الفلسطيني وجعلت ما كان مقبولا بالامس في مرحلة التبعثر والانقسام والتشتت ليس مقبولا اليوم. اما على المستوى العربي فان المتغيرات الحاصلة، ستفضي في المحصلة النهائية الى انظمةٍ هي نتاج تعددية سياسية، حيث يصعب قراءة المتغيرات الان بانها لصالح هذه القوى او تلك، لان الحراك الجماهيري في مصر على سبيل المثال لم ينتهِ الى حال نهائي، وان المتغيرات في تونس تفتح الابواب امام متغيرات مستقبلية انضج واكثر تطوراً. 
 
وعالمياً، فاننا نقيس التغيير في عدد الدول التي صوتت لصالح عضوية فلسطين في الجمعية العامة، وان ما قامت به اسرائيل وبعض الدول الاخرى، لعرقلة او اجهاض هذا التوجه لم يتسن لها بأي حال من الاحوال ان تفشل هذا التوجه الذي جاء تتويجاً للجهد الدبلوماسي الفلسطيني المدعوم والمسنود بالصمود الميداني على الارض.
 
الفلسطينيون يتغيرون والعرب يتغيرون والعالم يتغير، بينما اسرائيل ما زالت كما هي تراهن على الزمن وتحتكم للقوة، وتحاول باستماتة لجم حركة التاريخ، وعبثاً ما تفعل، لان حركة التاريخ موضوعية لا تتسمر في محطة معينة، مستفيدة من المتغيرات التي يشهدها العامل الذاتي العربي، المتأثر والمتفاعل بايجابية مع العاملين الذاتيين العربي والدولي.
 
وبعد هل يعيد الاسرائيليون قراءة الفلسطينيين والعرب والعالم مرة اخرى بعيدا عن منطق القوة الاستعلائي، ام ان فرصة القراءة الجدية قد فاتتهم وانهم هدروا كل شيء واغلقوا على انفسهم الابواب، وراحوا يتصورون ويحملون انهم ما زالوا يملكون مفاتيح ثبات وصمت الاخرين والى الابد؟!
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز