مـــفارقات التــصويت

  • الأحد 2012-12-02 - الساعة 09:33
مـــفارقات التــصويت
بقلم: عدلي صادق
 
 
مثلما كان الفلسطينيون جميعاً، في الوطن وفي الشتات؛ سهرنا أمام شاشات التلفزة، لسماع خطاب الرئيس محمود عباس، ولمتابعة التصويت. فعل الفلسطينيون ذلك مع فوارق عديدة في التوقيت؛ إذ كلما كان واحدهم أبعد شرقاً عن القدس، تكون الساعة أقرب الى الفجر. وفي الهند، حيث بعثتنا الدبلوماسية، كنا نقترب كثيراً من الشروق، لكن رسائل التهنئة النصيّة عبر الهاتف، جاءتنا من ساهرين كُثر، من أصدقاء فلسطين!
 
بدأ النهار مرهقاً بعد أن عز النوم وراح وقته. فقد كان محسوبكم على موعد سفر بالطائرة الى مومبي، العاصمة الاقتصادية، لكي نحضر ونتحدث في مهرجان تضامن، سبقني في الوصول الى المدينة، الزميل عبد الله عبد الله، ممثلاً لمفوضيّة العلاقات الدولية في حركة «فتح». كانت هناك ساعتان يُتاح فيهما الإخلاد للراحة، لكن أعضاء من البعثة الدبلوماسية لجنوب إفريقيا، جاءوا الى سفارتنا في الصباح الباكر، وقالوا: «سنكون أول المهنئين». استقبلناهم بالترحاب وشكرناهم، وأدركنا أن الشعوب الشقيقة والصديقة سهرت معنا تلك الليلة. لقد كانت حكومة جنوب إفريقيا، من بين حكومات الأمم التي لم تخالف ما تمليه عليها ضمائر شعوبها. وبعد مغادرة الأفارقة الجنوبيين، خصصنا الوقت المتبقي لكي نستخرج من الإنترنت، نص خطاب الرئيس، باللغتين العربية والإنجليزية، حرصاً على توزيعه في مهرجان مومبي، مع قائمة الدول التي ساندتنا وتلك التي عاندت حقنا أو امتنعت.
في قائمة التصويت، هناك ضمن مصوتي الضد، وكذلك ضمن قائمة الممتنعين، بعض المفارقات التي يجدر التوقف عندها!
 
فمن بين الممتنعين عن التصويت، أمامنا من حظيت فلسطين في دولهم وما زالت تحظى، بصفة الدولة التي يعترفون بها منذ العام 1988. هذه الدول، عندما سجلت موقفها السلبي ولم توافق على الاعتراف، لم تمتنع وإنما تأتأت أو تلعثمت وخالفت وقائع ماثلة في عواصمها، تجسدها سفارات فلسطينية، تتمتع بصفة سفارات الدولة المعترف بها سلفاً. إن هذه لعثمة وتأتأة ونكوص، إكراماً لعيون أمريكا. ومن بين المتلعثمين الذين اتخذوا ذلك الموقف «الشَكَر» الذي لا هو ذكر ولا أنثى؛ البانيا والبوسنة، اللتان أغلبية سكانهما مسلمة. معنى ذلك أن النظامين الشيوعيين السابقين، كانا أصدق تعبيراً عن وجدان شعبيهما من الحكم في العهد «الديمقراطي»!
 
كان اصطفاف دول رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا وسلوفاكيا وسلوفينيا والباراغوي، وتوغو (العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي) مع معسكر التأتأة؛ مؤشراً على فقدانها للقدرة على تبني سياسة خارجية مستقلة وشجاعة، ومنصفة لنفسها، إذ هي ملتزمة أصلاً باعتراف سابق بدولة فلسطين. أما التشيك، التي ذهب موقفها الى معسكر الضد؛ فقد أساءت لسمعتها بنفسها، بانكشاف مدى التأثير الأمريكي والصهيوني عليها، ليتماثل وضعها مع وضع أية واحدة من «دول» جزر مكرونيزيا. وبالمناسبة، لم يقف مع أمريكا وإسرائيل، سوى أربع دول، واحدة منها ذات أربع جمهوريات «مستقلة» مكرونيزية افتراضية. الأولى منها، وهي التي تحمل اسم الجزر، امتلكت أمريكا المقاطعتين الأكبر منها ومنحتها «استقلالاً» موصولاً بها واشترت ما تنتجه وما ستنتجه غاباتها من خشب التدفئة!
 
دولة «ناورو» شقيقة مكرونيزيا، والقائمة على إحدى جزرها المترامية؛ هي الأخرى إحدى الأربع التي جعلت أصوات الضد، بخلاف صوتي أمريكا وإسرائيل، سبعة بدلاً من أربعة، وبذلك ازداد عدد أعضاء البعثات التي في مقدورها أن تصفق وقوفاً للمتحدث باسم نتنياهو وليبرمان. و»دولة» ناورو هذه، هي واحدة من الـ 4 مكرر، وتختلف عن الأم مكرونيزيا بأنها أبرمت مع استراليا اتفاقاً يغنيها عن تشكيل قوة مسلحة، إذ يتكفل الاستراليون بالدفاع عنها إذا ما هاجمها طرف يعرف الطريق اليها!
 
ثالثة الأربع جمهوريات المكرونيزية، هي بالاو التي يصنفها الجغرافيون ضمن مجموعة جزر مكرونيزيا. وعدد سكان هذه الدولة، لا يصل الى عدد الذين احتشدوا في مدينة الخليل لمتابعة التصويت. هم لا يزيدون عن 18 ألفاً، منحت أمريكا حكومتهم، الحق في الاعتراض على صفة الدولة لفلسطين ذات العشرة ملايين في الداخل والخارج. هم يمتثلون لواشنطن، لأنها هي التي شجعتهم على الانتقال من وضعية الوصاية الأمريكية عليها بقرار من الأمم المتحدة، الى وضعية دولة مرتبطة بـ «ميثاق حر» مع الولايات المتحدة! 
 
ولعل المفارقة الطريفة، التي تستكمل المعسكر المكرونيزي الذي لا تخجل أمريكا من الاستئناس به ومجافاة العالم؛ تتمثل في «جمهورية» جزر مارشال (مارشال آيلاند) وهي عضوة أصلاً في أسرة الجزر المكرونيزية، تمردت على أهل الدار. ويستغرب واحدنا، لماذا أمريكا تفتن بين الجزر «الصديقة» المطيعة، فتؤجج الخلافات بينها، بينما شعوب هذه الجزر, بائسة ومغلوبة على أمرها؟ ولا أظن أن هناك حاجة للسؤال كيف يرضى الأمريكيون من الوجهة الأخلاقية، أن يدفعوا «جمهورية» تابعة لهم، لم يصل عدد سكانها الى عشرين ألفاً، للتصويت ضد حق عشرة ملايين فلسطيني في دولة ناضلوا من أجلها جيلاً بعد جيل؟ فأمريكا لا تستحي من ضآلة رصيدها بين مجموعة الأمم، ولا ترى حرجاً من الاستحواذ على أصوات المكرونيزيين. فمارشال آيلاند هذه، ولاية أمريكية بعيدة، مقتطعة من مكرونيزيا. العملة الرسمية فيها هي الدولار الأمريكي، وهي منصة تجهيز لوجستي للتجارب الذرية. ربما تكون أمريكا لم تسع الى الصلح بين الجزر، رغبة في زيادة عدد الأصوات التي تمتلكها في الجمعية العامة. فمن أجل ذلك تحرم شعب الجزر، من بناء دولة مكرونيزيا الكبرى، التي تمتلك جيشاً، ولها عملة وهوية وسياسة وكرامة، وتدفع المحروم للتصويت مع حرمان الآخرين!
 
بخلاف معسكر الرفض المكرونيزي، لم يكن في صف واشنطن وإسرائيل، سوى كندا والتشيك وبنما التي كانت أمريكا احتلتها باجتياح عسكري وأطاحت حكم الجنرال نورييغا في خريف العام 1989. فضلاً عن هذه الدول الثلاث، كان ينبغي أن تكون هناك دولة رابعة هي مكرونيزيا المستقلة والموحدة التي تمتلك إرادتها فتكون مع الضد أو لا تكون. أما عندما تتكرر مكرونيزيا أربع مرات، فإن الأمر يصبح شكلاً جديداً من التزوير في اقتراع «برلمان الأمم». هو شكل قانوني وعلني لكنه في ذات الوقت، فاسد ومتحايل بوقائع التقسيم التي سبقت تنسيب الجزيئات المكرونيزية للأمم المتحدة. أما كندا والتشيك، فإنهما في داخل نفوذ واشنطن وفي مناخها، كل منهما في موقعها. الأولى ذات ارتهان ماكث، أما الثانية فهي ذات موال عابر، بعبور الأنظمة والأحوال الأوروبية!
 
بقي القول، لو كان الأمر بيدي، وبلغني تردد البريطانيين واشتراطهم العجيب، الذي يقر ضمناً بأن إسرائيل تقترف جرائم الحرب بحكم طبيعتها؛ لأرسلت للبريطانيين من يقول لهم: حتى بدون هذا الشرط، إننا لا نرغب في الحصول على صوتكم، وذلك لأسباب تاريخية، فضلاً عن الأسباب السياسية الراهنة. إن صوتكم المؤيد هو فأل شؤم، لأنكم أصل البلاء ولا يُرجى منكم دواء! 
 
 
www.adlisadek.net
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز