الاستثمار الانتخابي للدم الفلسطيني

  • الإثنين 2012-11-12 - الساعة 08:51

 

 
الاستثمار الانتخابي للدم الفلسطيني
 
بقلم: طلال عوكل
 
 
من المستغرب أن يصرّ الكثير من صحافيي ومراسلي الوكالات الإخبارية والقنوات الفضائية، على طرح أسئلة ساذجة في كثير من الأحيان، خصوصاً عندما يقع عدوان عسكري على قطاع غزة، يتجاهل هؤلاء جملة من الثوابت أولها وعلى رأسها أن إسرائيل دولة عدوانية دائماً، وان العدوانية تشكل واحدا من أهم مكونات هوية الدولة، التي انبنت في الأساس على أسس مخالفة لمنطق تاريخ تشكل الدول والأنظمة.
 
 إسرائيل كدولة بناها الجيش، والعصابات الإرهابية المسلحة، فيما الدول الطبيعية، تبني هي جيوشها وأجهزتها الأمنية والمدنية، ولذلك علينا دائماً أن نتوقع العدوان ثاني هذه الثوابت أن إسرائيل التي ترفض السلام، وترفض الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وترفض الانصياع لقرارات الشرعية الدولية ومواثيقها، ستظل تتعاطى مع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، بمنطق وأدوات القوة الغاشمة لإبقائه ضعيفاً، غير قادر على المقاومة. ثالثاً، إن إسرائيل ليست دولة مواثيق ومعاهدات حتى حين تكون مثل هذه المواثيق في مصلحتها، فإنها تحاول دائماً تجاهل مصالح الآخرين، وهي مستعدة دائماً، لتغيير الوقائع على الأرض، بما يرضي ويحقق مصالحها وطموحاتها التي لا حدود لها.
 
 وقد أضاف الفلسطينيون بأيديهم ثابتاً رابعاً، حين أقدموا لأغراض وأهداف فصائلية ما دون وطنية، على الإطاحة بوحدتهم وحين خاضوا ضد بعضهم البعض صراعاً، أحدث انقساماً عميقاً، تسعى إسرائيل لتأبيده، وتحويله إلى حقيقة استراتيجية.
 
أول من أمس، صعّدت إسرائيل عدوانها على قطاع غزة، ولا نقول شنّت عدواناً، لأن العدوان قائم دون توقف، ولأن المسألة تتصل بوتيرة العدوان، بالرغم من استمرار الحديث فلسطينياً عن التهدئة، التي تدخلت مصر مؤخراً لإبرامها. تنهال أسئلة المراسلين والصحافيين على مصير التهدئة، وكأن هذه التهدئة تنطوي على عوامل استقرار، أو كأنها تقع بين طرفين متكافئين، اتفقا بوساطة أو دون وساطة على إبرام اتفاق بشأنها.
 
ينسى هؤلاء أن إسرائيل لم تلتزم بأي اتفاق تهدئة منذ أن ظهر هذا المصطلح في عالم السياسة بينها وبين الفلسطينيين، ولم تلتزم حتى في المرة الأخيرة، حيث قامت قواتها بقصف مدفعي لبعض المناطق في القطاع في اليوم التالي لسريان مفعول التهدئة التي تدخلت بشأنها مصر.
 
يجوز في هذا الإطار أن نشير إلى تناقض الدوافع والأهداف بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في النظر لمسألة التهدئة التي لم تعترف إسرائيل يوماً بوجودها وحين تضطر للحديث عنها أي عن التهدئة بربطها فقط بالتزام الطرف الفلسطيني، أما هي فإنها تعفي نفسها من الالتزام.
 
 الفلسطينيون عموماً، مخلصون في الحديث عن التهدئة ويظهرون التزاماً بها، وذلك انطلاقاً من رؤى، أيضاً، متناقضة، فالبعض يراها سياسة حكيمة، والبعض الآخر يراها من أجل تثبيت وحماية التجربة القائمة في غزة تحت سيطرة حركة حماس، وبعض ثالث يلتزم بها عن غير قناعة ولتجنب الصدامات الداخلية لا نتجاهل هنا أن بعض الفصائل تراها فعلاً استراحة محارب لمراكمة المزيد من الذخائر والأسلحة، ومراكمة الإمكانيات التي تؤهلها للدفاع عن الشعب، وحقوقه، ومن واقع تبنيها لخيار المقاومة القوي تعتبره الخيار الوحيد لتحرير فلسطين.
 
على الجانب الآخر، فإن التهدئة، خاضعة للحسابات، وخاضعة لدوافع وأهداف عدوانية متحركة بين الحين والآخر، بالإضافة إلى أن إسرائيل تخشى في حال طال أمد التهدئة من أن تتمكن الفصائل من مراكمة المزيد من الوسائل القتالية بما يهدد أمن إسرائيل وإلى الحد الذي يصعب التعامل معه، دون أن تدفع إسرائيل أثماناً باهظة.
 
تستثمر إسرائيل الانقسام الفلسطيني، وتستثمر القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا الغربية، والتي صنفت بعض فصائل المقاومة على أنها جماعات إرهابية لكي تبرر لنفسها مواصلة العدوان بادعاء الدفاع عن النفس، وربما أحياناً بذريعة الدفاع عن السلام، رغم أنها بعيدة عن منطق السلام.
 
قراءة المشهد الداخلي وليس السياسي فقط في إسرائيل تشير إلى وجود أسباب كثيرة، تقدم لحكومتها الدوافع الكافية لشن حروب أو عدوانات في المحيط.
 
الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إسرائيل ولا تجد حلاً حتى الآن تشكل دافعاً وسبباً قوياً، والملف النووي الإيراني، وما ينطوي عليه من تهديدات يشكل دافعاً وسبباً آخر، والتغطية على حربها المجرمة بالاستيطان والتهويد في الضفة والقدس تقدم سبباً آخر، والتهرب من عملية السلام، والضغط على الفلسطينيين لوقف مسعاهم إلى الأمم المتحدة يشكل سبباً.
 
ثمة أسباب كثيرة تجعل إسرائيل كل الوقت، في حالة استنفار واستعداد للتهديد بشن حروب، مرة على إيران ومرة على سورية، وثالثة على لبنان ورابعة على قطاع غزة، لكنها حين تعدم الوسائل لشن مثل هذه الحروب لأسباب سياسية دولية أو إقليمية فإن قطاع غزة يظل الساحة المرشحة لممارسة العدوان، وتحقيق بعض الأهداف.
 
في هذه الفترة التي تنشط فيها الساحة السياسية الإسرائيلية استعداداً لخوض الانتخابات العامة، يشكل الدم الفلسطيني القاسم المشترك لقوى اليمين المتطرف بشقّيه العلماني والديني، وفي الأساس للأحزاب التي تهيمن على صناعة القرار.
 
معركة الانتخابات القادمة، معركة مهمة، تجند لها اليمين المتطرف بإنشاء تحالف بين قطبيه الرئيسيين، الليكود وإسرائيل بيتنا، لكن عملية التجنيد هذه لا تكفي لحصد عدد يساوي أو أكبر من عدد المقاعد التي يحوز عليها الطرفان في الكنيست المنحلة، وهو اثنان وأربعون مقعداً.
 
وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا التحالف يحفز قوى أخرى على البحث عن تحالفات داخلية وخارجية لضمان عدم تسليم السياسة الإسرائيلية في المرحلة القادمة، لطرف واحد وهو تحالف ليكود بيتنا، وها هو ايهود اولمرت يهدد بالعمل من أجل المساهمة في الإطاحة بنتنياهو. أولمرت يراهن عملياً على أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس براك أوباما الذي فاز بولاية ثانية، ستكون مستعدة للتدخل من أجل تلقين نتنياهو وجماعته درساً، بعد الإهانات التي تلقتها إدارة أوباما على يد رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير خارجيته.
 
هنا يدخل عامل التصعيد ضد قطاع غزة، حيث إن تحالف نتنياهو يستهدف استرضاء واستمالة مئات آلاف الأصوات الانتخابية من الكيبوتسات والمستوطنات والمدن المحيطة بقطاع غزة، والتي تتعرض لصواريخ المقاومة الفلسطينية رداً على عدوان إسرائيلي. ولو افترضنا أن إسرائيل ستمتنع عن توسيع عدوانها الراهن على القطاع فإنها ستلجأ إلى التصعيد قبل الانتخابات، والأرجح أن يأتي التصعيد الإسرائيلي شاملاً هذه المرة، كفعل انتقامي على توجه منظمة التحرير للأمم المتحدة، وكفعل استثماري انتخابي فضلاً عن كونه انتقامياً ضد قطاع غزة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز