عرفات.. الرمز والمسيرة

  • الأحد 2012-11-11 - الساعة 07:33
 
عرفات .. الرمز والمسيرة
بقلم: يحيى يخلف
 
زعيمان لعبا دورا كبيرا في حياة الشعب الفلسطيني، وتميزا بقدرات قيادية استثنائية جعلت منهما رمزين فريدين من رموز الشعب الفلسطيني وسمة من سمات الهوية الوطنية هما: الحاج أمين الحسيني وياسر عرفات..وكلاهما لعب دورا كبيرا كزعيم للشعب الفلسطيني في الاقليم وفي المشهد الدولي، ووظفا ذلك لرفع شأن فلسطين وقضيتها في ازمان وأوضاع محلية وعربية وعالمية صعبة وقاسية وماكرة.
 
 الحاج أمين قاد في زمن الانتداب البريطاني ووعد بلفور ما بين حربين عالميتين، وشهدت تلك المرحلة هبات شعبية وثورة مسلحة ضد الانتداب والصهيونية ابرزها هبة البراق وثورة 1936 واجتهد الحاج امين خلالها بانتهاج سياسات ومناورات لابقاء فلسطين في عمق المشهد وللوصول الى العدالة والحرية والاستقلال واحباط مشروع اقامة دولة يهودية صهيونية في فلسطين.
 
 وتمكن ان يكون له حضور في الساحة العربية والساحة الاسلامية والساحة الدولية موظفا مكانته كرجل دين وكزعيم شعب وكسياسي يناور ويلعب في السياسة مع قوى عظمى في الحرب العالمية الثانية ببراغماتية راهن ان تصيب، ولكنها لم تصل الى مبتغاها.
 
 وان كان الحاج امين قد وصل الى الزعامة من خلال مكانته العائلية المقدسية ومكانته الدينية ومكانة القدس في قلوب الفلسطينيين والعرب والمسلمين، فإن ياسر عرفات وفي اطار اندفاعه وديناميته الفريدة وسيرورة تاريخية تمكن من ان يظهر ويخرج كزعيم عز نظيره وقائد استثنائي من صفوف فقراء وبسطاء وابناء مخيمات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات دون ان يتكئ على عشيرة أو قبيله أو مكانة اجتماعية أو دينية. 
 
الحاج امين لعب دوره في القيادة في النصف الأول من القرن العشرين حيث تراجعت قوته ومكانته بعد النكبة وتكالبت عليه سياسات الدول العربية آنذاك وتجاذباتها واطماعها وهزائمها. اما الفتى ياسر عرفات ابن النكبة والشتات واحد ابناء جيل تراجيديا المأساة فقد وجد نفسه بعد النكبة امام ضياع كل شيء..ضياع الوطن..ضياع الشعب وتحوله الى طوابير لاجئين.. وضياع حكومته التي تأسست في غزة بعد النكبة (حكومة عموم فلسطين ) التي فرضت عليها اقامة جبرية في القاهرة أو ما يشبه الاقامة، ولم تعد معترفا بها بعد ضم الضفة الغربية الى الاردن. واذا كانت الاقدار ومكر التاريخ قد قررا مصير الحاج أمين فإنّ الفتى ياسر عرفات قرر ألا يترك للأقدار ان تقرر مصيره ومصير شعبه، بل ان يأخذ زمام المبادرة ليقرر هو وأبناء جيله مصائرهم ومصائر شعبهم.
 
 بدأت مسيرته السياسية في مطلع الخمسينيات بتأسيس فعلي لرابطة طلبة فلسطين التي اصبحت في ما بعد الوعاء التي نضجت به نواة طليعية لحركة فتح والثورة الفلسطينية حيث التقى في تجربتها نخبة من الشباب الطليعي ومن ابرزهم: ياسر عرفات، صلاح خلف، خليل الوزير، فاروق القدومي، سليم الزعنون، كمال عدوان وعشرات غيرهم. ورافق ذلك شباب فلسطيني اسس نوايات وتجمعات في مواقع مختلفة سعيا للوصول الى حركة وطنية تمثل الشعب الفلسطيني وتسعى لتحرير فلسطين.
 
في غزه ( خليل الوزير)، وفي سوريا ( عرب فلسطين_ هايل عبد الحميد ) وتجمع لم يطلق على نفسه اسماً اسسه محمود عباس ( أبو مازن ) ومن ثم تجمعات أخرى في ما بعد في دول الخليج وخاصة الكويت والسعودية وقطر وفي الجزائر وفي اوروبا ( ألمانيا). وكانت هذه التجمعات ذات هوية فلسطينية صرفة تعمل على جذب الشباب الفلسطيني الذي توجه معظمه في غياب تنظيم فلسطيني الى الانضمام الى الاحزاب العربية والاسلامية والاممية (البعث، القوميون العرب، الاخوان المسلمون، حزب التحرير، الحزب الشيوعي ). وكان هناك ضرورة لتوحد كل هؤلاءالذين يريدون احياء الهوية والحركة الوطنية الفلسطينية وتأسيس تنظيم جديد.
 
 وقدر لياسر عرفات أو قرر هو بنفسه وثلة من اخوانه ان يلعب هذا الدور التاريخي.. حيث اخذت زمام المبادرة خلية الكويت في العام 1958وكانت تتكون في البداية من ياسر عرفات وخليل الوزير وعادل عبد الكريم ( ساهم في مرحلة التأسيس وانسحب من الحركة عام 1966) أخذت زمام المبادرة وبدأت حوارا حول الفكرة وساهم معهم اسماء اخرى مرت في تاريخ الحركة مرور الكرام مثل( يوسف عميرة، محمود حنونة، عبد الله الدنان، عمر حسني عمر وغيرهم) واسفر الحوار عن قرار الخلية الأولى بتأسيس تنظيم فلسطيني يتبنى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. وفي الأسبوع الأخير من مايو /أيار من عام 1959 كان الاجتماع الحاسم الذي تأسست فيه حركة فتح وكتبت فيه أول وثيقة تعلن عن هويتها وأهدافها وهي وثيقة ( بيان حركتنا ).
 
 كان اعضاء النواة مفتونين بالثورة الجزائرية في لحظة التأسيس لذلك عندما فكروا باسم تنظيمهم قرروا ان يستلهموا اسم جبهة التحرير الوطني الجزائري وان يطلقوا على تنظيمهم اسم: جبهة التحرير الوطني الفلسطيني، لكن بعضهم قال: إن الجبهة تعني تحالف قوى سياسية مختلفة، ولذلك عدلوا عن اسم الجبهة واختاروا بدلا منها اسم الحركة، واتفقوا على اسم: حركة التحرير الوطني الفلسطيني، ثم عكسوا الاسم وأخذوا الحرف الاول من كل كلمة فأصبح اسمها المختصر ( فتح) ومن ثم قرروا ان تتشكل قيادة للحركة باسم: اللجنة المركزية. كما قررت اصدار مجلة تبشر بأفكارها فكانت مجلة ( فلسطيننا ) التي ظلت تصدر من ذلك التاريخ حتى الانطلاقة عام 1965 حيث اصبحت الحركة بحاجة لوسائل اعلام مختلفة. وهكذا وخلال شهور قليلة تأسست اللجنة المركزية ودخلها قاده تاريخيون: صلاح خلف ومحمود عباس «ابو مازن»، وفاروق القدومي وخالد الحسن، وأبو يوسف النجار، ثم دخلها آخرون في مراحل أخرى مثل: هايل عبد الحميد ابو علي اياد وممدوح صيدم وسليم الزعنون، وابو صالح، وكمال عدوان وهاني الحسن وغيرهم.
 
 لقد تيسر لهذه الحركة ان تنجح بحكمة وتجربة وقامات قادتها وبشخصية ياسر عرفات الطموحة والمغامرة وما يتمتع به من طاقة ودينامية وحنكة وقدرة على الصمود والمناورة. استطاع عرفات ومعه ابوجهاد ان ينسج علاقات مع الثورة الجزائرية ومع حركات تحرر عالمية قبل الانطلاقة ومع قوى دولية مثل الصين وفيتنام وحركات تحرر افريقية واميركية لاتينية، وبعدها شهدت الحركة في سنواتها الاولى انضمام الكثير من المجموعات الى صفوفها من قطر والسعودية والمانيا وسوريا والاردن وامكنة أخرى.
 
 ياسر عرفات نجح باصرار عنيد في تحويل فتح الى العمل الميداني المبكر ونجح خطه المستعجل في انجاز موعد الانطلاقة وتأسيس قوات العاصفة وقيادة معارك في منحنيات تاريخية مثل معركة الكرامة عام 1968 ومعارك العرقوب والجنوب ومعارك حصار بيروت عام1982 وقاد المعارك السياسية على امتداد تاريخه الحافل منذ ان تسلم رئاسة منظمة التحرير الى انتخابه رئيسا لدولة فلسطين ورئيسا للسلطة الوطنية. اكتسب ياسر عرفات من الشهرة والمجد ما لم يتحقق لزعماء كبار في العالم واصبحت كوفيته رمزا عالميا. واستطاع عرفات بوجود جيل العمالقة ان يوحد الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات وان يؤسس مع رفاقه في فتح والفصائل الفلسطينية حركة وطنية جديدة مجيدة تشكل امتدادا للحركة الوطنية قبل النكبة تحت راية منظمة التحرير. وخاض معركة صراع البقاء ودافع بكل ما يملك من قوة عن القرار الوطني المستقل. 
 
واستطاع ان يتكيف مع المتغيرات الدولية وان يدخل الامم المتحدة وينتزع الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيداً للشعب الفلسطيني، ومن خلال ذلك يدخل الشرعية الدولية ويوصل القضية الى عمق الرأي العام العالمي والى صدارة الوضع الدولي. ومن خلال الواقعية السياسية التي لا تساوم ونفاذ حيويته وقدراته كالسهم من كل الجدران والعوائق والمحطات الصعبة، وامتلاكه شخصية انسانية جذابة حببت شعبه والكثير من شعوب وقادة العالم به وتمسكه بالحقوق الوطنية: عودة، تقرير مصير، دولة ذات سيادة عاصمتها القدس..من خلال ذلك لعب عرفات دوره التاريخي على مدى يزيد عن اربعة عقود واصبح الزعيم الاكثر شعبية في مرحلة تاريخية صعبة لا تقل صعوبة عن المرحلة التي كان يتسلم القيادة فيها الحاج أمين الحسيني..لقد خاض عرفات النضال بقوة الحياة في روحه وقوة الحياة في روح شعبه وبوجود قادة عمالقة وكوادر تاريخية ومقاتلين افذاذ وشعب صنع الثورة وصنع الانتفاضة ما كان ليحقق كل هذه النجاحات لولا وجودهم معه.
 
وما كانت هذه الثورة لتكون لولا وجود رموز وطنية هي النموذج والأمثولة من الشيخ عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني الى الزعيم أحمد الشقيري وأمير القدس فيصل الحسيني، الى شهداء الكفاح الفلسطيني على مدار قرن او أكثر من الزمن. غاب عرفات لكنه اصبح رمزا خالدا وما احوج الشعوب في مراحل النضال الى رموزها!

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز