عرفات: ليس مجرد ثائر

  • الخميس 2012-11-08 - الساعة 14:42

 

بقلم : د. سليم محمد الزعنون.
 
« لقد كان عرفات يتمتع بشخصية محببة؛ وحياة داخلية غنية وكنوز من الحساسية؛ لقد كان مليونيرا من حيث ما يمتلكه من هذه الصفات كلها».
ايزابيل بيزانو؛ "ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين"؛ 2010. 
 
كُتب الكثير عن ياسر عرفات، بعض هذه الكتابات طغى عليها البعد التاريخي، والبعض الأخر ركز عليه كثائر وزعيم وقائد للشعب الفلسطيني ومثال للبطولة والفداء والتضحية بوصفه حمل القضية الفلسطينية حتى وفاته، وبالرغم من وفرة الكتابات عن عرفات؛ قلة هي الكتابات التي تتناول المراحل والجوانب الانسانية في سيرته وفكره؛ وكذلك مساهمته في الدفاع عن القيم العالمية "الحرية والانسانية والعدلة".
 
منظوران في قراءة العرفاتية
 
يتوقف ادراك العرفاتية على المنظور الذي يستخدم في قرائتها؛ ويمكن تحديد منظورين في فهم العرفاتية:
1. يرى المنظور الأول في العرفاتية نهجاً سياسياً ونظرية ثورية ملهمه لشعوب العالم.
2. أما المنظور الآخر فيقوم على قراءة العرفاتية من الزاوية الانسانية. 
 
أولاً / العرفاتية نهجاً سياسياً ونظرية ثورية.
لقد أرسى عرفات قواعد منهجاً سياسياً ونظرية ثورية زاوجت بين العديد من المتناقضات وجمعت بين العمل الثوري والسياسي؛ لقد خاض نضالاً استمر أكثر من 40 عاماً، مارس فيها الكفاح المسلح وحرب الشعب طويلة الأمد، والدبلوماسية والعمل السياسي والإعلامي؛ عمل مقاتلا على جبهة الأعداء من أجل تحرير فلسطين، وعلى جبهة الأصدقاء سار بين الأشواك متجنبا الألغام في ظل السياسات والمصالح العربية والإقليمية والعالمية المتناقضة، ولم يستطع أحداً من زعماء العالم وساسته أن يتنكر للمشوار النضالي والسياسي الطويل الذي رسم معالمه عرفات.
يعتبر عرفات مفجر الثورة الفلسطينية ومجدد الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة؛ وناضل بضراوة للحصول على الحرية والاستقلال؛ وعمل بشكلٍ كرس فيه الكيانية والاستقلالية الفلسطينية من خلال "حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية"، لقد خاض معركة القرار المستقل وسعى جاهداً لتجسيد الهوية والسيادة الوطنية واقعاً عملياً؛ وتمكن من إعادة فلسطين وقضيتها للوعي الانساني ولخارطة السياسة الدولية؛ وحولها من قضية لاجئين إلى قضية أمة بمعناها الشامل؛ ولم يفقد هدفه الاستراتيجي على الاطلاق " القدس واللاجئين والدولة " رغم الصعوبات التي واجهها، وتمكن من أن يتحول من رجل صنع ثورة إلى رجل يؤسس لدولة ويقيم أول سلطة فلسطينية في التاريخ؛ بما جعله لاعباً سياسياً من طرازٍ رفيع في السياسة الشرق أوسطية والعالمية؛ ما دفع الكثير من السياسيين لوصفه على أنه أحد أبرز الساسة العظام في العالم خلال القرن العشرين.
 
ثانياً / العرفاتية ممارسة انسانية وقيم عالمية.
 
1- العرفاتية ممارسة انسانية.
 جميع المعلومات الوردة تحت هذا العنوان من كتاب ايزابيل بيزانو؛ "ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين"
ولد عرفات في 4 أغسطس/آب من عام 1929 في المنزل الحجري الكبير في حي الفخرية بالقدس القديمة، وتصادفت سنة ولادته مع حملة قمع شديدة كانت تقوم بها الشرطة البريطانية في فلسطين؛ كان والده  يتنقّل آنذاك باستمرار بين القدس وغزّة والقاهرة حيث كان قد ورث في العاصمة المصرية ثروة كبيرة في حي العباسية بالموقع الذي تقوم فيه الآن جامعة عين شمس . 
 
لقد عرف ياسر عرفات طفوله «حزينة» انتقل خلالها من القدس إلى القاهرة حيث توفيت أمه عام 1933 بمرض كلوي وهو لا يزال في سنواته الأولى؛ فعاد مع أخيه فتحي للعيش في كنف خالهما بمدينة القدس، قبل العودة إلى القاهرة من جديد عام 1937. لعبت أخته أنعام عرفات دوراً بارزاً في رعايته وتربيته ومثّلت شخصية أساسية أخرى في حياته؛ كان أبو عمار يطلق عليها تسمية «الجنرال» وهي تسمية تناسبها جيّدا بثيابها السوداء التي لم تفارقها. وهي " انعام" تروي عنه أنه كان يمارس دور القائد العسكري مع أطفال الحي الذين كانوا يطيعونه؛ وكان «التدريب» يستمر إلى أن تأتي الأخت أنعام كي تقود «الضابط» عنوة إلى داخل المنزل كي ينال عقابه، خاصة أنه كان يأخذ باستمرار «طناجر» المنزل كي يستخدمها «جنوده» مثل «خوذات» عسكرية، وتضيف «أراد أبو عمار أن يكون دائما هو القائد، وحتى عندما كان يلعب كان يعطي الأوامر؛ وكان يقتسم مع الجميع كل شيء حتى قطعة الحلوى؛ لم يكن يفكّر أبدا بنفسه؛ وبعد ظهر ذات يوم كنت قد اشتريت له ولفتحي ثيابا جديدة فأظهر ياسر غضبا شديدا ورفض أن يلبس ما اشتريته له طالما أن جميع أطفال الحي الفقراء لا يمتلكون هم أيضا ثيابا جديدة. والأمر نفسه بالنسبة للأحذية».
 
كانت طفولته، كما تصفها المؤلفة، هي طفولة «جريحة»، فبعد وفاة والدته كانت زوجة والده الجديدة قاسية الطباع، ولم تكن تريد الاهتمام بأطفاله من زواجه الأول، كما روى أبو عمار للمؤلفة. هكذا انتقل ياسر في الرابعة من عمره وأخوه فتحي، في الثانية من العمر، للعيش عند خالهما سليم ابو السعود الذي أصبح بمثابة «مرشده الروحي». وهو الذي زرع لديه أفكار معاداة الاستعمار والقومية العربية.  وبعد طلاق والده من زوجته الثانية وزواجه بثالثة أحس ياسر أنه تلقى ضربة خنجر جديدة؛ وهذا ما عبّر عنه صديقه صلاح خلف بالقول: «كانت زيجات والده تجربة قاسية ومؤلمة بالنسبة إليه، وعنصرا لخلل توازنه العاطفي». 
ثم انتسب ياسر عرفات وأخوه فتحي إلى «معهد فاروق»، باسم ملك مصر آنذاك. وتنقل المؤلفة عن حارسة البناية العجوز التي كان يسكن فيها مع أسرته قوله: «كان ياسر طفلا لا يتوقف عن الحركة وفي غاية النشاط. ومن أجل الخروج بسرعة أكبر من المنزل كان يقفز من النافذة إلى الحديقة. 
 
2- العرفاتية قيم عالمية.
لقد تضمن الخطاب السياسي لياسر عرفات العديد من العبارات ذات الصلة بالقيم العالمية؛ أن بعض المفردات مثل حق العودة؛ وحق تقرير المصير؛ والحق في السيادة والاستقلال والعيش بسلام؛ والحق في المقاومة للشعوب التي تخضع للاحتلال؛ لهي من المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان التي كفلتها الشرائع السماوية والدولية؛  إن تحليل الخطاب السياسي لعرفات في العديد من المناسبات مثل 
خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 13/11/1974.
خطاب أثناء إعلان الاستقلال الصادرة يوم 15 تشرين ثاني 1988 في الجزائر.
خطاب اجتماع القمة العربية / الدورة العادية الثالثة عشر المنعقدة في 27- 28 /3/2001 في عمان / الأردن .
خطاب أمام لجنة القدس 2002.
خطاب إلى الشعب الفلسطيني والعالم لمناسبة الذكرى ال38 لانطلاقة الثورة والعام الجديد 2003.
خطاب عبر الفيديو إلى القمة العربية ال15 في البحرين 2003|.
خطاب أمام مؤتمر القمة العربية السادسة عشرة في تونس22/5/2004 .
 
يؤشر الى  هذه المفردات بشكل واضح وصريح؛ بالمحصلة فإن عرفات لم يكن مجرد ثائر أنتج منهجاً سياسياً ونظرية ثورية فحسب؛  بل كان ايضاً انساناً مدافعاً عن قيم الحرية والعدالة وخقوق الانسان.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز