رجل منشق

  • الثلاثاء 2012-10-09 - الساعة 10:07

 

رجل منشق
 
بقلم: زياد خداش
 
أنا كل شيء هذا الصباح: أنا ساحة كنيسة في إيطاليا، وقبة مسجد في السودان، وسقف كنيس في اليمن، أنا كينونة الأفعى التي لا نفهمها، وغضب الفراشة الذي لا نسمعه. 
أنا كل شيء هذا الصباح: أنا عماء عقل النار، وطيبة قلب قاتل، ونعومة ملمس وردة، وخشونة ملمس شوكة. 
أنا كل شيء هذا الصباح: أنا شهوة المراهق، وتنسك الراهب، وصخب حانة، وصمت معبد بوذي، أنا حيرة عاهرة، وإيمان قديسة.
أنا كل شيء هذا الصباح: أنا موت شخص، وميلاد آخر، تشرد شاعر واستقرار موظف، أنا مريول تلميذة سعيدة، وعطر مسنة وحيدة. أنا كل شيء هذا الصباح كل شيء، كل شيء... .
 
***
لتلك الرائحة ذاكرة جميلة في روحي، رائحة دم مجبول بالغبار والعرق والإسمنت يبزغ خفيفاً من إصبعي بفعل مسمار ضل طريقه من الخشب إلى يدي، كنت منهم في زمن بعيد. 
لا أجمل من أن تجلس في صباح مبكر في سيارة (فورد) ممتلئة بشكل غير قانوني بعمال المخيم ـ شباناً وكهولاً ـ الذاهبين إلى ورش البناء المتوزعة في رام الله وخارجها، لا أجمل من أن تقيم عشر دقائق في سعالهم الخشن ونظراتهم المتشككة وقهوتهم التي يندلق نصفها على أفخاذهم، ودخان سجائرهم الوقح، ونكاتهم التي لا تضحكني، لكنها تقويني وتقويهم، في أحضانهم يستقر طعامهم في أكياس سوداء، وفي حضني تستقر كتبي في حقيبة سوداء. كنت منهم في زمن بعيد، كنت منهم.
أهبط من السيارة، وتهبط معي رائحة الباطون المتجمد في ملابسهم.
عشر دقائق مع رائحة العمال، مع رائحتي التي استرجعتها بعد طول كتب ومقاه ومدن. 
في البيت أجلس الآن مع ضيفين عزيزين: رائحتي القديمة، وقهوتي.
كنت منهم في زمن بعيد، كنت منهم.
 
*** 
رجل منشق، بملابس منشقة وملامح مجروحة، سأراه الآن في الشارع وهو يحرّك يديه وكأنه يفتح نافذة في الهواء، الرجل الضيف الثقيل الذي ليس من عالمنا يعتقد بذهن المنفصلين والطازجين أنه يرى ما لا نرى، رجل سأحبه وأخافه بعد قليل، سيبزغ من منعطف شارع الحسبة فجأة كما عاصفة صامتة، كما خبر مزعج، سيظنه الناس مجنوناً، وسيبتعدون عنه ويشمئزون من رائحته، الرجل الشارد والشريد، سيفتح أمامي نوافذه ويمضي، بعد ابتعاده سأقترب من نافذة من نوافذه وسأرى ما يرى، وما لا ترون، سأشرع وحيداً في الغناء.
وستظنونني مثله منشقاً وضيفاً ثقيلاً ومجروحاً وشريداً ومنفصلاً تماماً، لكني سأكون طازجاً مثله تماماً، وسأواصل غنائي ولن أهتم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز