مفاتن سيناء في جلباب نتنياهو

  • الخميس 2012-10-04 - الساعة 14:18

 

بقلم اصف قزموز
 

عندما وقَّعت مصر، الشقيقة العربية الكبرى، اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل اللدودة، في العام 1978. كان أهم انجاز تأتَّى لتل أبيب من ذلك، هو إخراج مصر الكامل، بكامل معانيها ومفاتنها ومغانيها، من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، وقد كان فعلاً تحييداً كاملاً لأكبر دولة وقوة عربية، الأمر الذي أحدث اختلالاً كبيراً واستراتيجياً في مسار القضية الفلسطينية برمتها.
 
ويمكن القول أنه مع بداية تلك الحقبة الجديدة من الصراع البارد مع إسرائيل، أسدلت عملياً الستارة وشارة النهاية على حقبة الصراع الساخن أو المسخن حسب الطلب ما بين منعطف أو حدث وآخر. واليوم، لفظت مرحلة العمل القومي والعربي المشترك أنفاسها الأخيرة، ودخلنا العهد الجديد، الفعال بنا بما يريد، على خوازيق البادئ والمعيد، بصواريخه العابرة للفوضى الخلاقة محملة برؤوس ونظم إخوانية.
 
إن العقل والفكر الذي أوصل أصحابه يوماً، لأن يبيحوا لأنفسهم ما حرم الله في التآمر على نظام عبد الناصر أواسط الخمسينيات، ومحاولة اغتياله، في الوقت الذي كانوا يفاوضون الإنجليز من خلف ظهره، لقادرون اليوم وأكثر، على ارتكاب سياسات ومواقف براغماتية انتهازية، حداًّ داست به جنازير مصالحهم ونظام حكمهم، البلاد وما عليها وحولها. وذلك دفاعاً والتزاما،ً بسياسات واتفاقيات وتحالفات واصطفافات، كانوا بالأمس، يكفرون ويخونون كل من يجرؤ على ارتكابها سواهم !!
 
لقد ظلت مصر على الدوام، وعبر تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وما قبل حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تشكل السند القوي، والقاعدة الصلبة، الحاملة والحامية لوحدة الصف الفلسطيني وفي جميع المراحل. لكن غريب الأمر اليوم، أن نشهد ارتداداً فاضحاً عن هذه السياسة، ذات الحس القومي والوطني والأخلاقي، التي طالما حافظت عليها وتمسكت بها، وهي تنزع اليوم لدعم حماس، والدفع بها نحو شق هذه الوحدة، وتفتيت المشروع الوطني والوحدة الوطنية الفلسطينية، لصالح حسابات وأجندات حمساوية إخوانية، متساوقة مع سياسات وأجندات خارجية وحتى عدوَّة.
 
كيف لا، ونحن الذين شهدنا بالأمس، محاولة نظام الملالي المكشوفة لشق هذه الوحدة، عبر دعوة حماس لحضور مؤتمر دول عدم الانحياز، الذي استضافته طهران مؤخراً، وها نحن اليوم، نشهد في ذات السياق، عمليات تكريس وترسيم محمومة، لانقلاب حماس المشؤوم في غزة، لجعلها سلطة بديلة، تقيم إمارتها الخاصة على أرض غزة، وهو المشروع الذي يعكس الاستجابة الفاضحة من قبل حماس، لخيار إسرائيل الذي سعى إليه شارون، لإقامة دولة في غزة ذات حدود مؤقتة، ورفضته القيادة الفلسطينية، ولم يعد هذا الأمر سراً، فنظام الإخوان في مصر، لم يدخر حتى الآن وسعاً ولا جهداً، في سبيل إثبات قدراته وكفاءاته بأن يكون شريكاً مخلصاً وخلفاً صالحاً وأصلح من بعد نظام مبارك، ولعل في إنفاذ هذا المشروع المؤامرة، واحدة من أخطر البراهين والأدلة، التي يحاول الإخوان في مصر من خلالها، إثبات حسن النوايا والتساوق والسلوك مع المشروع الإسرائيلي، في إطار ترغيب اسرائيل بتقديم أنفسهما، كبديلين لطرفين رئيسيين في الصراع العربي الإسرائيلي، وهما حماس كبديل للمنظمة والسلطة من خلال دولة غزة ذات الحدود المؤقتة، ونظام الإخوان الحامل لمرسي على كرسي، كبديل لمصر العروبية بمصر الأروبه.
 
وبذلك يكون الإسرائيليون، قد نجحوا في إضافة حلقة تفاوضية جديدة عازلة ما بيننا وبينهم، وسيتعاملون معنا وفقاً لمخرجاتها، فإذا ما تم هذا الأمر، فهذا يعني في ما يعنيه، أنهم وحماس، قد يطالبون السلطة أن تتفاوض مع حماس مقدماً، في أي أمر سنتفاوض عليه مع الإسرائيليين .
 
وإذا كان المشروع السياسي الفلسطيني، قد أخفق حتى الآن في تحقيق أهدافه وهو جسم واحد موحد، فكيف بالأمر ما بعد تكريس انقلاب حماس وانفصالها بغزة نحو سيناء؟! وكل هذه الخدمات الجليلة من جانب الإخوان وحماس، فقط مقابل ترسيم قبولهما إسرائيليا وأميركيا.
 
كيف لا، ونحن نشهد عمليات شراء الأراضي في سيناء، من قبل أغنياء حماس من أمراء الحرب والإنقلاب، جارية على قدم وساق، وهو الأمر الذي سيسهل الطريق، أمام قيام إمارة أو مَشْيَخَة غزة، ويعفي الإسرائيليين من أية التزامات محتملة بتوسعة غزة من أراضي النقب على ومن حساب مصر في أرض سيناء، ضمن أية صيغ أو حلول لاحقة أو راهنة، فتظل مسامير جحا راسخة في سيناء، لخدمة الإسرائيليين واحتياجاتهم الأمنية وغير الأمنية، سواء في العمق المصري البَضّْ أم في الريش الفلسطيني الغَضْ.
 
بعض الدول، عربية وغير عربية، سبق وأن استقبلت وفوداً رسمية من حركة حماس، وأجرت تنسيقات وترتيبات مباشرة معها وكأنها سلطة رسمية تمثل الشعب الفلسطيني، وبالأمس القريب ورغم إعلان الرئيس مرسي عن عدم استقباله قيادة حماس كرئيس، إلا أن معلومات أفادت بأنه قد التقاهم في ذات الليلة سراٍّ. وقبلهم إيران وغير ذلك.
 
هذا كله يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، شروع مصر بدورها الجديد في المنطقة وتخطيها المرحلة الانتقالية لذلك، من خلال تنفيذ التوجهات الجديدة للمعادلة الجديدة التي جئ بمرسي رئيساً على ما يبدو من أجلها.
 
وها هي حماس تحضر وتدرب وتبني مؤسسات مُسْتَدْوِلَة، بدعم مصري وعربي في وضح النهار. في وقتٍ تقطع الموارد والرواتب عن السلطة الوطنية ومؤسساتها وموظفيها، بالتوازي مع دعم مشروع حماس بإقامة المشيخة ذات الحدود المؤقتة، التي طالما حلم بتحقيقها شارون ونتنياهو قبل حماس. ناهيك عما أفصحت عنه الأيام مؤخراً، من إعلان "حماس" رفضها السماح للسلطة الوطنية بتطوير حقل الغاز قبالة شواطيء غزة، منددة وعلى لسان ناطقها الرسمي بهذه التوجهات،ومعلنة عدم اعترافها بأي اتفاق تتوصل اليه السلطة بهذا الشأن، معتبرة أنه يجب التشاور مع حكومتها المقالة بخصوص أية اتفاقيات.
 
الأمر الذي يؤكد أن "حماس" قد بدأت فعلياً بممارسة خطتها بالانفصال عن مكوك المشروع الوطني الفلسطيني، ما سيضعف حتماً الموقف الفلسطيني الرسمي، المطالب بالحرية والاستقلال الكامل بدولة مستقلة موحدة وقابلة للحياة، فتكون "حماس" بذلك، قد سهلت على نتنياهو وحكومته مهمتهم في التهرب من حل الدولتين وأية استحقاقات من أجل السلام، وعبدت الطريق رحباً أمامه وأمام نفسها باتجاه مشروع مشيخة غزة ذات الحدود المؤقته.
 
ولا أخالني لمست يوماً ومنذ اللحظة الأولى لانقلابها في غزة، أن "حماس" لم تكن تتصرف الاّ كسلطة وكيان منفصل عن جسم السلطة الوطنية، اللهم الاَّ عند تلقي التمويل المالي والدعم الذي تتلقاه من السلطة كواجب عليها خالي من أية التزامات مقابلة، يعني على طريقة "اخدمني وانا سيدَكْ" ومش بس هيك وإنما "بدهم قُرْص مْقَرَّص من ذَقن مْعَرَّص" .
 
ولعل في تركيز بان كيمون، في كلمتة أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، على عنصر الشباب والاهتمام بقضايا الشباب، ما يؤشر إلى أن حراك الشعوب وتطور المجتمعات والنظم السياسية المعاصرة، ما زال يسير باتجاه التشبيب والتحديث، كما أن كافة المتغيرات المزمعة والمحتملة، في جل البلدان والمنطقة في إطار الفوضى الخلاقة، تسير نحو ذات الحتمية والتغيير، الذي سيطال الجميع بلا استثناء.
 
وبالتالي، فإنني أرى في كل هذا وغيره من أقوال، ومن معطيات على الأرض، ما يؤكد أيضاً، بأن مثل هذا التغيير والتشبيب، لا بد وأن يطال إسرائيل كذلك، ولو من باب اللياقة بالدور والمرحلة. ومن هنا فإن كل ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، من انقلاب شامل على سياسات السلام، وتقويض لشعار حل الدولتين، بالتعاون والتناغم المباشر وغير المباشر، مع خصوم السلطة الوطنية والمشروع الوطني الفلسطيني، لن يسمح في نهاية المطاف البلوغ به حد الإطاحة الكاملة بمشروع السلطة الوطنية الفلسطينية عبر تنفيذ الرؤية العدمية الاسرائيلية المتطرفة، والمواقف السياسية الثأرية والانتقامية لنتياهو، الساعي لفرض مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة في حدود غزة، المزمع إلحاقها بمصر عبر سيناء التي ستشهد إذا ما قدر لذلك أن يكون، بوادر رحلة التيه السياسي والوطني الفلسطيني، الذاهب حتى الآن نحو المجهول، وذلك ما لم يوضع حداً عاجلاً وسريعا،ً لمسابقة الزمن الجارية من جانب الحكومة الإسرائيلية، بهدف استعجال وفرض الوقائع التي تريد وتحتاج، لتكريس مشروعها العدواني الجديد، على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة وحريتة الخالية من الاحتلال.
 
وبذلك يكون قد نجح نتنياهو وحلفائه المتطرفين، بتصدير أزمتهم في موضوع حل الدولتين، عبر تحقيق حلم شارون المشترك معه، بالخلاص من غزة عبر اعطائها صفة دولة ذات حدود مؤقتة، وفاز كل من الحِمسان والإخوانْ، بالرضى والرضوانْ، وحسن السلوك والاعتماد ولا مرجانْ أحمد مرجانْ في استحواذ النفوذ والسلطان والهيلمانْ.
 
صحيح أننا قد نحصل قريباً على صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، لكن سريان ذلك مع انفصال غزة بالحدود المؤقتة، سيحكم على ماتبقى من أراضي الدولة الفلسطينية الأم، بأن تعيش في كيان دولة ما هي بدولة، عبر حكم اداري حديث وتقاسم وظيفي باتجاهي الشرق والغرب، وهي رؤية قديمة جديدة قد تفرض بسهولة والحالة هذه.
 
ولعمري إني لا أرى في سياسة الحكومة الإسرائيلية الدافعة باتجاه إقامة كيان غزة مع حماس من جانب واحد. عبر كل ما تقوم به من إفشال لسياسات وبرامج السلطة الوطنية الفلسطينية، أي مصلحة حقيقية للشعبين الإسرائيلي ولا الفلسطيني على المدى البعيد، بمقدار ما هي مصالح ومزايدات حزبية، وسياسة انتقامية ثأرية متطرفة عمياء تديم مأساة شعبنا، وتسعى لتكريس العنصرية والاحتلال، عبر إدامة الأزمة بين الشعبين ونزع استقرارهم، وتحقيق مصالح ضيقة وحسابات وأجندات سياسية وحزبية خاصة، لكل من حماس والحكومة الاسرائيلية فحسب.
 
وما عمليات التطهير التنظيمي والاستبعاد الجاري على ضفتي حماس الداخل وحماس الخارج، إلا استحقاقات وتحضيرات وتوطئات وحنجلات ما قبل الرقص، التي ستمهد الطريق أمام مشروع المشيخة أو الأمارة المسخ في غزة، تحت مسمى دولة ذات حدود مؤقتة، مشكلة بذلك، خنجراً دائماً في الخاصرة الفلسطينية، وثغرة دفرسوار المعركة الديبلوماسية والسياسية الفلسطينية، المطالبة بالحقوق الفلسطينية وبمقعد الدولة في الأمم المتحدة، لا بل وكعب أخيل برنامج بناء الدولة وإنهاء الاحتلال، المتطلع قدماً نحو الاستقلال الكامل والناجز في نطاق حل الدولتين. لسان حال الطرفين في ذلك، الحمساوي الإخواني والإسرائيلي لعبة "أنا النَّحلِه أنا الدبُّور، شيلني وأنا أشيلك".

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز