ماذا بعد خطابِ الفرصة الأخيرة؟

  • الثلاثاء 2012-10-02 - الساعة 10:42

 

 
 
بقلم: هاني المصري
 
 
كان الرئيس في خطابه أمام الجمعيّة العامة حزينًا خائبَ الأمل من عدم إقدام العالم على وقف الغطرسة الإسرائيليّة ووضع حد للاحتلال، ورفض العودة للمفاوضات من دون ضمان نجاحها، وكان مدافعًا عن قضيّة شعبه، وحذر من نكبة جديدة، وأعطى فرصة أخيرة لإنقاذ السلام ومنع الانهيار والانفجار والمجابهة.
 
وأكد الرئيس عزمه على تقديم مشروع قرار للحصول على دولة غير عضو لفلسطين أثناء "الدورة الحاليّة" للأمم المتحدة، التي تستمر لمدة عام، وسط تأكيدات فلسطينيّة وعربيّة على أن مشروع القرار سيعرض للتصويت، على الأرجح، في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني.
نقطة الضعف الواضحة في خطاب الرئيس أنه لم يطرح بديلًا عن فشل اتفاق أوسلو وانهيار ما يسمى "عمليّة السلام"، لأن التحذير، والغضب، والحزن، والحصول على الدولة غير العضو، والإنذار بالفرصة الأخيرة؛ لا تشكل لوحدها بديلًا يفتح باب الأمل بالمستقبل.
 
قبل ذهابه إلى الأمم المتحدة، ناقشت القيادة الفلسطينيّة خيارين طرحهما الرئيس، وطالبها بالاختيار بينهما، وهما: الذهاب إلى نتنياهو لإخباره بإلغاء اتفاق أوسلو، وما يترتب على ذلك من حل السلطة، أو التوجه إلى الانتخابات العامة التي أبدى الرئيس استعداده لإصدار مرسوم بشأنها خلال أسبوع.
الخياران متناقضان تمامًا، لأن الذهاب إلى انتخابات عامة على أرضيّة ما هو قائم، يعني إمعانًا في أوسلو، فكيف يمكن الاختيار بين الجنة والنار، بين إلغاء أوسلو والإمعان فيه؟. ما يفسّر الأمر أن الرئيس حائر ومحبط وحزين، لذلك طرح المسألتين كمخرج له للانسحاب من المشهد، الذي أخذ شكل تهديد للقيادة بالاستقالة خلال عشرة أيام إذا لم تستجب لأحد الخيارين. ما يبرهن على ما سبق حالة الغضب الشديد التي بدت على الرئيس، الذي حمّل المسؤولية لـ "فتح"، وفصائل منظمة التحرير التي وصفها بالشريك المضارب، لأنها شاركت في التظاهرات التي طالبت في نهايتها برحيل الرئيس ورئيس حكومته، مؤكدًا أنه سبق وقال إذا تظاهر أربعة أشخاص مطالبين برحيله، فإنه سيرحل، فكيف إذا كان عدد المتظاهرين بالآلاف؟!
 
أي أن محور النقاش هو البحث عن مخرج للرئيس، وليس خيارًا للخروج من المأزق؛ لذلك انتهى الاجتماع من دون أي قرار، على أن يستكمل البحث بعد عودته.
كان على الاجتماع المذكور الذي عقد عشيّة خطاب الرئيس من على منبر الأمم المتحدة أن يتمحور حول خطة التدويل وكيفيّة إنجاحها وتحويلها إلى جزء من إستراتيجيّة شاملة بديلة عن المأزق الذي سرنا فيه منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، وأوصلنا الكارثة، أي إلى ما نحن فيه.
هناك من يقول إن مجرد الذهاب إلى الأمم المتحدة يعتبر خطة بديلة، لأنه سيغير من قواعد اللعبة جذريًّا، وهذا يمكن أن يكون صحيحًا في حالة، وغير صحيح في حالة أخرى. لننتظر رؤية ماذا سيحدث حتى نحكم على الوضع. هل سيعرض مشروع القرار على التصويت أم لا؟، وماذا سيتضمن، وما هي الشروط التي ستقبلها أو ترفضها القيادة الفلسطينية مقابل تصويت بعض البلدان، خصوصًا الأوروبية الهامة مع القرار.
 
إن الحديث عن التشاور بشأن مشروع القرار قبل عرضه للتصويت يعني أنه معروض للمساومة، في وقت من المفترض أن تكون فيه المساومة ممنوعة، لأن إسرائيل والولايات المتحدة تعارضان مشروع القرار، ولأن الحاجة ماسة لتثبيت الحق الفلسطيني المهدر طوال السنوات الماضية، ولأن القيادة الفلسطينية قامت بالقسط الفلسطيني من المساومة التاريخية المؤلمة عندما قبلت بقيام دولة فلسطين على 22% من مساحة فلسطين التاريخية.
بالرغم من ذلك، فإن عين القيادة الفلسطينيّة على الحصول على تصويت إيجابي أو امتناع عن التصويت من بعض الدول الأوروبيّة، لأن نجاح القرار مضمون، والبحث جارٍ عن كيفيّة حصوله على أكبر عدد من الأصوات، وكيفيّة تقليل الأضرار.
 
إن الخشية من قرار تعارضه وتمتنع عن التصويت عليه عدد من الدول الأوروبية الهامة، ومن عقوبات أميركية وإسرائيلية، إذا تم الخضوع لها؛ ستؤدي إما إلى تأجيلٍ آخرَ للتصويت، خصوصًا إذا فاز باراك أوباما بفترة رئاسية ثانية، أو إلى صياغة مشروع قرار ضعيف ومشروط.
 
إن القيادة الفلسطينيّة، من دون أن تجرؤ على اعتماد بديل متكامل عن أوسلو، في وضع صعب، فهي لا تقدر على الاستمرار في الوضع الراهن، وتواجه طريقًا مسدودة في المفاوضات والمصالحة، وتعاني من أزمة اقتصادية ومالية متفاقمة، ومن تعنت وتطرف الحكومة الإسرائيلية التي تريد صياغة السلطة أكثر وأكثر، حتى تستجيب بالكامل لشروطها وإملاءاتا؛ ستفكر أكثر من مرة قبل أن تمضي في قطارها الذي انطلق نحو التدويل، بل أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو الحصول على عضوية مراقبة لا تشكل بديلًا عن طريق المفاوضات، بل محاولة لاستئنافها وتحسين شروطها. فليس سرًا أن بعض الدول الأوروبية مدعومة من بعض الدول العربية يمكن أن توافق على الخطوة الفلسطينية إذا كانت أقصى ما يمكن أن تذهب إليه القيادة الفلسطينية، بحيث تكون مخرجًا لاستئناف المفاوضات وليست بدايةً لطريق جديد.
 
فمثلًا إذا وافقت القيادة الفلسطينيّة على استئناف المفاوضات بعد أن تحصل على عضويّة مراقبة، بحجة أنها أصبحت دولة تحت الاحتلال، على أساس الزعم بأن هذا يغير من قواعد المفاوضات ومرجعيتها تلقائيًّا، تكون "كأنك يا زيد ما غزيت"، وسيستخدم القرار على شكل مخرج لاستئناف المفاوضات العقيمة المدمرة. ويترتب على ذلك التعهد بعدم الانضمام إلى محكمة الجنايات الدوليّة، وغيرها من الوكالات الدوليّة.
 
ما يجعل مثل هذا الاحتمال واردًا جدًا، أن هناك من يعتقد، ويريد لنا أن نعتقد، أنه ليس هناك بديل عن اتفاق أوسلو، وهو قدر لا رادّ له، ولا يمكن التخلص منه إلا باتفاق آخر مع إسرائيل، وهذا يعني أنه سيكون سيئًا مثله أو أكثر سوءًا منه، وللبرهنة على ذلك يتم الترويج بأن التخلص من أوسلو يعني العودة كليًّا إلى ما قبل أوسلو، بما في ذلك انهيار السلطة بكل مكوناتها، وعودة الاحتلال المباشر، وإعادة كل من أتى بعد أوسلو إلى المكان الذي قدم منه. 
إن هذا التهويل مقصود لإبقاء الوضع على حاله دفاعًا عن مصالح لأفراد وشرائح نمت وازادات نفوذًا وثروةً بعد أوسلو ومن الانقسام أيضًا، ولا تريد لهذا الواقع أن يتغير.
 
إن الخروج من أوسلو صعب، لأن "دخول الحمام ليس مثل الخروج منه"، ولكن الخروج من أوسلو هو الأمل الوحيد لاستعادة القضيّة الفلسطينيّة، وجعلها قادرة على مواصلة طريقها نحو إنجاز الحريّة والعودة والاستقلال. ليس لدينا خيارات، هذا صحيح، ولكن السؤال هنا: لماذا وصلنا إلى هذ الوضع، ومن أوصلنا إليه؟، وهل هذا قدر محتوم، وما زال؟
 
إن البديل بحاجة إلى توفر الإرادة السياسيّة، والرؤية الإستراتيجيّة، والاستعداد للنضال والتضحية، والتركيز على استعادة وحدة الشعب على أساس المشروع الوطني الواحد والمؤسسة الجامعة والقيادة الواحدة. ويمكن أن يبدأ البديل أولًا، بتوفر القناعة بإمكانيّة وضرورة وجود بديل آخر عن أوسلو، وأن ثمنه مهما ارتفع سيكون أقل من ثمن استمرار أوسلو. وثانيًا، بالاعتراف بالواقع بعجره وبجره وقيوده والتزاماته والفرص التي يتيحها، وثالثًا، بوضع خطة إستراتيجيّة للتعامل مع الواقع، وأشدد على التعامل مع الواقع، من أجل تغييره بعيدًا عن الخضوع والاستسلام له، أو التهور والمغامرة والقفز عنه. ويمكن أن يتم ذلك بإعطاء الأولويّة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة، واعتبار إعادة تشكيل منظمة التحرير هو المدخل، وليس الانتخابات وتشكيل الحكومة.
بعد ذلك، يمكن إعادة النظر بشكل السلطة ووظائفها والتزاماتها السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة؛ لكي تصبح سلطة وطنيّة وأداة من أدوات المنظمة والبرنامج الوطني.
 
قد يقول قائل: إن هذا الأمر سيقود إلى مجابهة ستؤدي حتمًا إلى انهيار السلطة، وهذا احتمال كبير، ولكن ليس مرجحًا، لأن إسرائيل ستفكر أكثر من مرة قبل عودة الاحتلال المباشر، ولكن عودة الاحتلال المباشر في ظل عمليّة نضاليّة سيتم فيها إحياء منظمة التحرير يمثل خشبة الخلاص الوطني الفلسطيني. الخشية كانت دائمًا من حل السلطة وانهيارها من دون وجود فاعل للمنظمة، أي من دون وجود بديل أو خيار وطني، لأن هذا يعني الفراغ والفوضى التي تستطيع إسرائيل أن تملأها بالصورة التي تناسبها.
 
إذا كان التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بحذافيره، والمياه يمكن أن تصب في نفس النهر مرتين؛ يمكن أن يكون انهيار السلطة نهاية لكل شيء، فالسلطة ليست مجرد أحد إفرازات أوسلو، وإنما ساهم في إيجادها صمود الشعب الفلسطيني وإنجازاته وبطولاته طوال نضاله المديد، وهي تجسيد منقصوص جدًا لحقوقه التاريخية والطبيعية، وتلك المكرسة في القانون الدولي والقرارت الدولية. 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز