هل يتعلم الإسلاميون من أخطاء القوميين؟

  • الإثنين 2012-10-01 - الساعة 12:36
هل يتعلم الإسلاميون من أخطاء القوميين؟
 
بقلم : خالد الحروب ـ كاتب وجامعي فلسطيني
 
 
اضاع العرب اكثر من قرن ونصف القرن في سجال شبه سرمدي لم ينته حتى الآن حول شكل الاجتماع السياسي الذي يمكن ان يرث الدولة العثمانية والاستعمار، ويحقق استقلالهم. 
 
النقاشات المحتدمة حول درجة ارتباط الدين بالسياسة, والعلاقة مع الغرب, وموقع التراث والماضي, والتعليم, والمرأة, والعدالة الاجتماعية, وبناء مجتمعات حديثة احتلت قلب ذلك السجال. 
 
منذ كتابات رفاعة الطهطاوي في النصف الاول من القرن التاسع عشر وحتى الآن والفكر العربي يجتر نفس الموضوعات ويطرح نفس المقاربات.
 
الاتجاه الغالب في تلك المقاربات كان للتيار "التوفيقي" (او التلفيقي) الذي اقتنع بفكرة مزاوجة "ما يناسبنا" من افكار الحداثة الغربية مع "ما يناسبنا" من ماضينا. 
 
هذه التوفيقية كانت الى حد كبير "الايديولوجيا" الرسمية لدولة ما بعد الاستقلال في المنطقة العربية, حيث تم الشروع في تبني حداثة منقوصة ومحاولة تركيبها على بنية تقليدية لا تحتملها, وانتهت مآلات تلك التوفيقية الى الفشل الذريع الذي نحياه ونراه, وقاد بعضا من الدول الى كوارث حقيقية وانظمة بالغة التفاهة (ليبيا القذافي كمثال صارخ هنا, لكن ليس وحيدا). 
 
تتنوع التحليلات في فهم اسباب ذلك الفشل التاريخي وزوايا النظر اليه, لكن يمكن هنا التركيز على فكرتين مركزيتين تعودان للظهور الآن في حقبة ما بعد الثورات العربية وتصاعد قوة الاسلاميين ووصولهم للحكم في اكثر من دولة. 
 
الفكرة الاولى هي ان الباب الذي ابقى مفتوحا جزئيا على الماضي لاختيار "ما يناسبنا" ظل ينفتح اكثر واكثر لتسلل منه منظومات وقيم واوهام ماضوية كانت قد صُنفت من قبل النهضويين العرب, بما فيهم الاسلاميون الاصلاحيون مثل الافغاني وعبده والكواكبي, في عداد "ما لا يناسبنا".
 
وفي نفس الوقت كان الباب الذي فتح جزئيا على قيم الحداثة الغربية وتجربتها لاختيار "ما يناسبنا" قد صار ينغلق شيئا فشيئا, او حتى اغلق تماما، وعوضا منه فتحت كوات ونوافذ ضيقة تسمح بمرور الحداثة التقنية والصناعية من دون حداثة الافكار والسياسية. حتى القيم التي تمكنت من الافلات من تلك الكوات, وفي اقصى تجلياتها مثل الديموقراطية والانتخابات والدستور تم عجنها بقيم ماضوية افقدتها معناها الحقيقي وسمتها الانعتاقية الاساسية.
 
الشيء المدهش ان تلك الصيرورة كانت قد حدثت في ظل دولة غير اسلاموية وغير مُدارة او مُسيطر عليها من قبل الحركية الاسلامية. كانت بالمجمل الدولة القطرية القومية التي انتزعت شرعية الوجود في طول وعرض العالم العربي. افسحت تلك الدولة، بسبب هشاشة شرعيتها وعدم تأسسها على مشاركة سياسية، ونظرا لطبيعتها القمعية مساحات واسعة لانتشار الماضوية التي تمكنت في نهاية المطاف من الاطاحة بالدولة نفسها في حقبة الربيع العربي.
 
النقطة ذات العلاقة هنا هي المنطقة الرخوة والغامضة التي تركتها التوفيقية في الوسط "ما يناسبنا من الحداثة, وما يناسبنا من الماضي" سرعان ما تم احتلالها من قبل الماضي لاسباب بنيوية, اهمها فشل النخبة الحداثوية في تقديم نموذج ناجح, والضغوط والتدخلات المتواصلة من الغرب، والتي محت صورة الغرب المستنير لصالح الغرب الاستعماري في المخيلة العامة.
 
في تلك المرحلة الطويلة, ولنقل طوال النصف الثاني من القرن العشرين, كانت تلك المنطقة الرخوة تفصل بين النزعة الاسلاموية الاخذة بالاتجاه اكثر نحو الاصولية والتيارات العلمانية الاخرى (القومية, واليسارية, والليبرالية). ورغم سيطرة التيارات العلمانية على الدول والحكومات العربية بشكل او بآخر الا ان النزعة الاسلاموية ظلت في تصاعد ثم حققت انتصارات كبيرة ايامنا هذه.
 
والخطورة الكبيرة في الوقت الراهن تكمن في ان المنطقة الرمادية التي كانت تاريخيا منطقة سجال بين الاسلاميين وغيرهم, تنتقل الان لتصبح بين الاسلاميين انفسهم: اولئك الذين في الحكم والاكثر اعتدالا, والاخرين المعارضين لهم على ارضية سلفية والذين يهاجمونهم برؤية دينية. معنى ذلك اننا قد نشهد انزياحاً تاريخيا هائلاً في الاتجاه العام نحو الماضي يزيد من اغلاق الباب بيننا والعالم. 
 
ويتسارع هذا الانزياح المخيف مستفيدا من آليات معاصرة وجديدة لم تكن متوفرة في بدايات القرن الماضي عندما تأسست السجالات الاولى واقيمت "المنطقة التوفيقية الرخوة" بين الاسلاميين وغيرهم. واهم هذه الاليات على الاطلاق الاعلام الديني التلفزيوني الذي يحتل الاثير والوعي عبر مئات الفضائيات الدينية التي تقولب وتشكل الرأي العام والمزاج والسلوك وكل ذلك في اطار منظومة قيم سلفية ماضوية معادية للآخر وللحداثة. 
 
الطبيعة الاستبدادية وغير الديموقراطية لدولة الاستقلال العربية والتدخلات الغربية ودعمها للدكتاتوريات العربية وفرا الارضية الخصبة التي قادت تدريجيا الى الانزياح نحو الماضي. لكن الشيء المُفارق هو ان تلك الطبيعة الاستبدادية لدولة ما بعد التحرر من الاستعمار في المنطقة جاءت في المرحلة الثانية من تأسسها, وليس منذ اليوم لنشأتها, وعلى الاقل في المشرق العربي. في المرحلة الاولى كان شكل هذه الدولة (في مصر, والعراق, وسورية, ولبنان, والى حد ما الاردن, وكذا الامر في المغرب وتونس وليبيا) ليبراليا يقوم على الانتخابات والتعددية الدستورية. 
 
صحيح ان تلك الانظمة الليبرالية كانت وليدة معاهدات مع المُستعمر السابق (بريطانيا وفرنسا وايطاليا) وهو الذي ظل ماثلا في خلفية الصورة بهذا الشكل او ذاك, لكن كان ثمة ثقافة وانزياحا نحو مأسسة الدولة الدستورية التعددية المدنية يأخذ مجراه البطيء لكن الطبيعي. أُجهضت تلك التجربة الليبرالية القصيرة في كل تلك البلدان على يد الحركات القومية التي اعتبرت تلك الانظمة عوائق في طريق الوحدة العربية, وعوائق في طريق النضال من اجل تحرير فلسطين ومحاربة الامبريالية. 
 
اضاعت التجربة القومية اكثر من ستة عقود على العرب من دون ان تحقق الوحدة العربية, او تحرر فلسطين, او تنتصر على الامبريالية. لكنها استطاعت الاجهاز على الفكرة الليبرالية في المنطقة العربية وافسحت المجال لبروز الاسلاموية ثم انتصارها لاحقا. في بلدان المغرب العربي والخليج العربي كانت هناك صيروات مشابهة, ليس بالضرورة مندرجة في سياق الشعارات القومية الصلبة (ما عدا جزائر بومدين), لكنها في الجوهر مولدة لانزياحات ماضوية وعلى حساب الانفتاح الليبرالي الحقيقي. بعد كل تلك السنين يطرح الفكر القومي العربي في الوقت الراهن افكارا منفتحة وليبرالية وديموقراطية, لكن ثمن تعلم الدرس الديموقراطي والليبرالي كان باهظاً: ستة عقود من عمر شعوب هذه المنطقة. 
 
على ذلك كله، فإن الخوف الكبير والتحدي الاكبر الذي يجب ان يقض مضاجع عقلاء الاسلاميين, هو التغافل عن ذلك الدرس العميق والمرير, وبالتالي تكرار الانزياح التاريخي نحو الماضي وهذه المرة بعمق, بعيدا عن الشكل الديموقراطي والليبرالي الفعال للاجتماع السياسي، وبالتالي اضاعة عدة عقود اخرى على العرب وبلدانهم حتى نعود مرة اخرى ليس فقط للاقتناع بما كان قد اقتنع به رواد النهضة في اواخر القرن التاسع عشر بل وتطبيقه بإنزياح نحو المستقبل هذه المرة وليس نحو الماضي.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز