الإسلام والفكر العلماني الغربي

  • الإثنين 2012-10-01 - الساعة 12:03

الإسلام والفكر العلماني الغربي

بقلم: د. السيد ولد أباه
 
تبلور هذه الأيام اتجاهان بارزان في الكتابات الفكرية الغربية اتجاه الفيلم المسيء ورسوم الكاريكاتور المستهجنة: اتجاه ذهب إلى الدفاع المبدئي عن حرية التعبير خطاً أحمر في المسلك الديمقراطي غير قابل للتقييد بسقف معياري، ولو كان احترام المعتقدات والديانات، واتجاه أدان التجاوزات ضد الدين الإسلامي واعتبرها نمطاً من نزعة الكراهية والغلو التي يتعين محاربتها باسم الفكر الليبرالي نفسه. يعكس هذا الإشكال رهاناً محورياً من محاور تصور المسألة الدينية في الفكر الغربي المعاصر الذي تؤطره ضوابط ثلاثة:
 
أولها: تحرر العقل من قبضة المؤسسة الدينية التي كانت تقنن في السابق الوعي العقدي وتكيف مضامين الممارسة الإيمانية. فالتنوير كما بين "كانط" في نص مشهور حول عصر الأنوار هو إعلان "رشد" الإنسان وخروجه من حالة القصور الناتجة عن امتثاله للسلط المعرفية، وفي مقدمتها سلطة المنظومة الدينية.
ثانيها:خروج الدين من المجال العمومي وتحوله إلى دائرة الوعي الفردي التي هي ميدان الاعتقادات الجوهرية حول القيم والخير، مما يفسر بتعددية المجتمعات الحديثة وانبنائها حول مدونات إجرائية ضابطة للنقاش العمومي الحر.
 
ثالثها:اتساع النزوع العقلاني الوضعي في المجالات التي كانت تدخل في السابق في ميدان الدين تأويلاً وتفسيراً، كما هو شأن أصل الطبيعة والإنسان بل ومعايير السلوك والممارسة الخلقية.
 
ولذا ندرك كيف أن الفكر الفلسفي والإنساني الغربي المعاصر تحرر بوضوح من المرجعية النسقية للنص الديني ، حتى لدى المفكرين الذين حافظوا على انتماء ديني فردي قوي، وقد أطلق "مارسال غوشيه" على هذا التحول الانتقال من نموذج "التبعية"‬ إلى نموذج "الاستقلالية"‪‬.
 
وعلى اختلاف البلدان الغربية في تكييف الوضع المرجعي، للدين دستورياً وقانونياً، فإنها تتفق على إعطاء الأولوية لحرية الوعي والتعبير على مبدأ احترام الاعتقاد الديني، بحيث اختفت فيها العقوبة على "جريمة التجديف"، وإنْ كان العديد منها يعاقب على انتهاك المقدسات إذا ارتبط بنزوع عنصري أو بتهديد السلم الاجتماعي.
 
ولقد انعكس هذا التحول في الحقل الأدبي والفني منذ القرن التاسع عشر بإزالة القداسة عن الرموز الدينية، مما أصبح مسلكاً مألوفاً وعادياً في التقليد الثقافي الغربي. ومن المعروف أن هذا المنحى غدا من تجليات ومتطلبات الإبداع والتجديد في الأدب العربي منذ عصر الرومانسية العربية في بدايات القرن العشرين. لم يكن الإسلام مستهدفاً كدين وعقيدة وثقافة في تلك المقاربة الجديدة إزاء الدين، بل لا نكاد نجد له حضوراً في أعمال المفكرين الغربيين المعاصرين على عكس الصورة السائدة التي تتحدث عن النزعة العدائية للإسلام بصفتها مقوماً مؤسساً في الفكر الغربي الراهن.
 
استجدت عدة تحولات في العقدين الأخيرين، يتعلق بعضها بالموقف العام من المسألة الدينية، ويتعلق البعض الآخر بالموضوع الإسلامي الذي أصبح أحد المشاغل الرئيسية للعالم كله في الفترة الراهنة.
 
من هذه التحولات الجدل الفكري المتجدد حول تجربة العلمانية الغربية بعد قرنين من الاختبار والمراجعة. فمع أن الفصل بين المؤسستين الدينية والسياسية مكسب لا محيد عنه في المجتمعات الغربية، إلا أن العلمانيات الجديدة أصبحت أكثر انفتاحاً على المضامين القيمية والرمزية للدين وواعية بوهم الفصل بين دائرتي الاعتقاد الفردي والمعايير العمومية المشتركة.
 
ومن هذه التحولات أيضاً ما يتصل بالمقاربة المعرفية والإبستمولوجية للدين ببطلان النظريات التفسيرية السائدة التي تمحورت حول أطروحتي: المرور من الحالة اللاهوتية الى الحالة العلمية (الاتجاهات الوضعية) والدين بصفته استلاباً واغتراباً (الاتجاهات الماركسية والتحليلية النفسية). الدين في الدراسات الاجتماعية الأخيرة مكون ثابت من مكونات الاجتماع البشري المشترك ومنحى تأويلي مرتبط بتجربة المعنى والدلالة.
 
وهكذا أدى انحسار الإيديولوجيات الوضعية والتاريخانية إلى إعادة اكتشاف الدين، وهي الحالة التي عبر عنها الفيلسوف الفرنسي "ميشال سر" بقوله إنه عندما كان يريد في الماضي أن يثير اهتمام طلبته كان يحدثهم عن السياسة، وعندما يريد أن يضحكهم يحدثهم عن الدين وفي السنوات الأخيرة انقلبت المعادلة تماماً أصبح الدين هو الجد والسياسة هي الهزل.
 
ومن التحولات المذكورة ما يتعلق بالإسلام الذي افتك واجهة الأحداث في السنوات الأخيرة وارتبط بتحديات كونية كبرى لا تلتبس به مثل الإرهاب والتطرف والهجرة والحروب الأهلية والطائفية.
 
وإذا استثنينا أقلاماً هامشية (وإنْ كان الإعلام السيار أعطاها حجماً لا تستحقه) مثل برنارد هنري ليفي ودانيل بايبس، فإن الوجوه الفكرية البارزة في الغرب تبنت في الغالب موقفاً حصيفاً ومتفهماً إزاء المستجدات الكبرى التي ارتبطت بالإسلام.
 
توقع "ميشال فوكو" في بداية الثمانينيات أن يتحول الإسلام إلى مشغل رئيسي من مشاغل الفكر الغربي، فدعا إلى النظر إليه بتجرد وموضوعية ودون كراهية مسبقة. وذهب "فوكو" إلى أن الحدث الإسلامي قد يفضي إلى إعادة اكتشاف نمط "الروحانية السياسية"، الذي أضاعه الغرب منذ عصور النهضة.
 
ويعني "فوكو" بالروحانية السياسية صيغة من تدبير الحكم لا تفضي إلى العودة الى الاستبداد الديني، وإنما تقوم على الخروج من قبضة الدولة البيروقراطية الحديثة واستبداديتها الخفية. أما "جون رولز"، فقد أشار في كتابه "قانون الشعوب"‪ التي تضمن نمطاً من العقلانية والسلم في مجتمعات غير ليبرالية. وإنْ كان "رولز" لم يوضح الخلفية الإسلامية لهذا النموذج التراتبي التشاوري، إلا أنه في الكتاب المذكور راهن على التيار التجديدي في الإسلام القادر على استنبات قيم العدالة الإجرائية ضمن النسيج الثقافي الإسلامي ولا يبتعد "بول ريكور" عن موقف رولز، في رفضه للمقاربة الجوهرانية اللاتاريخانية للإسلام، مطالباً بالتمييز بين "إسلام التطرف والعنف" وإسلام التجدد والحوار الذي سينبع من تحلل المنظومة اللاهوتية السياسية التي تعيق حركيته.
 
ومن آخر تجليات الموقف الفلسفي المنفتح الكتاب الحواري الرصين بين "هابرماس" و"دريدا" إثر تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001. يرفض الفيلسوفان ربط العنف بالإسلام، وينبهان إلى مخاطر العنصرية الثقافية في الغرب التي تستهدف الإسلام والمسلمين

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز