انها حكومتنا .. انها مسؤوليتنا جميعاً

  • الإثنين 2012-09-10 - الساعة 09:00

بقلم:آصف قزموز



مرة أخرى نعود لمربع التكرارْ، في قصة جحا والحمارْ، حيث أقفرت الديارْ، وبَعُد المزارْ، واللي صارْ صارْ. وبصراحة احترنا معهم والدليل احتارْ. إعتلى جحا وأصغر أبنائه، صهوة الحمار وسارْ، مولياً وجههُ شطر المدينة، وما أن رآهم الناس حتى قالوا: ما أظلمك، كيف تركبان معاً هذا الحمار المسكين وتثقلون كاهله بدون شفقه أو رحمه ؟! فقام جحا ونزل عن الح

مار تاركاً إبنه يركب الحمار وحده. ولما مرّ بقومٍ قالوا: ما أغبى هذا الرجل، يترك إبنه الفتي راكباً الحمار ويسير هو الرجل العجوز مشياً على الأقدام؟! فعاد وأنزل ابنه عن الحمار وركب هو بدلاً منه، وترك ابنه يسير على الأقدام إلى جانب الحمار، فلما رآه الناس قالوا: ما أظلم هذا الرجل وكم هو أناني وقاسي القلب، يركب الحمار وحده ويترك ابنه الصغير ماشياً. فوقف جحا حائراً في أمره، ثم ترجل عن الحمار وسار هو وابنه مشياً يجرجران الحمار خلفهم، فما أن رآه الناس حتى قالوا: ما أغبى هذا الرجل وابنه، يسيران مشياً ومعهما حمار!! عندها ضاق بالناس ذرعاً، فقام وحمل الحمار على ظهره وسار به وإلى جانبه ابنه، فسخر الناس منه قائلين: كم هو مجنون هذا الرجل، أيعقل أن يحمل حماراً على ظهره ويسير به بدلاً من أن يركبه.
يعني يا إخوان من شان الله " احترنا يا قرعه من وين بدنا نبوسك " . جحا حَمَل الحمار على ظهره منشان يخلص من كلام الناس ومع ذلك ما خِلِص، والدكتور سلام فياض جاءنا مع مشروع السياسي اقامة الدولة والبناء المؤسسي اللازم لنستحقها، والإصلاحي في وضع النظم والقوانين العصرية التي تحفظ حقوق المواطن وتحد من التسيب والفساد والظلم الاجتماعي، ومع ذلك يصر البعض على افشاله ووضعه في موقف أصعب من موقف جحا مع الناس والحمار. والأسواء من ذلك، هو أنهم يشمتون ويفرحون وربما يوزعون الحلوى فرحاً بأي عقبة أو فشل يواجه الرجل، تماماً مثل "الفرحانين بِعزا أبوهم". 
كيف لا ونحن نرى ذات هؤلاء وأمثالهم من أصحاب هذا المنطق الفاسد، والذين تسببوا في اخفاقات سابقة ومتكررة لشعبنا، ما زالوا اليوم بفضل أناهم القاتلة يختلفون على تشكيل قائمة انتخابية موحدة، في حلبة منافسة انتخابية تكاد تكون خالية من الخصوم الجديين، ومرمى مفتوح أمامهم من دون حارس، دون أي استفادة تذكر من دروس الماضي بتكراره الأليم، ولا من المرمى المتاح لهم، في ذات الوقت الذي ينبرون اليوم بكامل قواهم وعدتهم وعتادهم الذي لم نشهده من قبل في منافساتهم وصراعهم مع الخصوم الحقيقيين، ليلهبوا الشارع الفلسطيني ضد رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض، البريء من الضرائب والأسعار،ْ وكل هذا الضغط والسُّعارْ، براءة الذئب من دم ابن يعقوب. على فكرة، لم نشهد أحداً لا في دول الخريف العربي المُتَرَبِّع ولا في غيرها، يطالب بإسقاط رئيس الوزراء تحديداً الاَّ عندنا!!
أي جنون هذا الذي نعيشه هذه الأيام، مع هذا البعض المؤرِّق منا، في هجومهم المقصود لحسابات فردية وضيقة ضد رئيس الوزراء ؟! الذي سجل دوماً أنه الحلقة الأقوى وليس الأضعف كما يريده هؤلاء، ولا أدري ما هي مصلحة شعبنا في هذا الاعتبار من قبلهم ضده.
أمر منطقي ومعقول،أن نطالب بحقوقنا ونحتج على الغلاء وأن ننتقد أخطاء المسؤول ونواقصه إن وجدت، نقداً بناءً، لكن ما هو مرفوض وغير معقول هو أن ننتقد نقداً كيدياً وجهوياً لحساب أجندات فردية خاصة على حساب مصلحة البلاد والعباد، وضد الرجل الذي رعى المأسسة وأرسى قواعد النظام والقانون فيصلاً بين المواطن والسلطة، وسعى دوماً لترسيخ وسائل جديدة للحكم الرشيد. فغلاء البنزين ومشتقات النفط هو نتاج أزمة عالمية أكبر من فلسطين، والسوق الفلسطينية من أكثر الأسواق تأثراً بها، لأننا سوق متلقي ويرزح تحت رحمة الأسعار الإسرائيلية المتحكمة والمستحكمة، فلا نحن دولة منتجة للنفط، ولا لدينا موارد مالية حرة نتحكم بها في تغطية ودعم الأسعار لها ولغيرها من السلع الأخرى، مع الأخذ بالاعتبار ولفت الأنظار، أنه حتى لوتوفرت لدينا الموارد المالية لدعم السلع الأساسية كالوقود مثلاً فسنجده مهرّباً في اليوم التالي ليباع في الأسواق الاسرائيلية، لأننا لا نملك سيطرة كافية ولا سيادة على معابرنا وحدودنا واقتصادنا ما زال تابع. والجميع يعلم حقيقة وضعنا ولسان حالنا " حاكْمَكْ عاكْمَكْ " ،لكن هذا البعض أبى إلاَّ أن يقوم اليوم بهذه الهجمة المكشوفة مستغلين ضيق الحال وسوء الأحوال وحاجة الناس، فيشعلون ناراً لا تحمد عقباها وربما تحرق الأخضر واليابس وأصحابها، ولن يستفيد منها سوى أعداء الشعب الفلسطيني ومستوطنو مصالحه وحقوقه وقضيته.
ولمن لا يعلم، فإن فياض يحاول جاهداً إخراج الناس من الأزمة وليس العكس، وحاول خلق ثغره في جدار اتفاق باريس الموقع في مرحلة ما قبل فياض، وركز دوماً على المقاومة الشعبية وتعزيز صمود الناس، من خلال جملة من الإجراءات الكل يعرفها ويعرف فضائلها في ضبط وتنظيم حياة الناس وحماية حقوقهم الوطنية والمطلبية اليومية.
نحن لا نقصد تأليه أو عبودية الفرد بشخص الدكتور فياض ولا غيره، وإنما نقصد حماية وإنقاذ نهجهِ ورؤيتهِ وبصيرته الرشيدة، التي سَنَصْلى جميعاً بويلٍ وثبورْ وعظائم أمورْ، ما لم نتمسك بعروتها الوثقى ونذود عنها من فعل العابثين، وهو مؤسسها ورافع لوائها خلف السيد الرئيس لا قبله.
نحن اليوم أمام تحديات ووضع سياسي مسدود، ويجب أن نتدبر حالنا، دون التقليل من صعوبة الواقع وضنك العيش الذي لا يد لنا فيه وبرئ منه فياض. وتذكروا يا سادتي، أن المساعدات المالية والمعونات الاجتماعية، لم تقدم لمستحقيها يوماً في فلسطين بشكل منظم وممأسس ومقونن وشفاف،إلاَّ في عهد فياض.
قد يمضي فياض ويأتي غيره لكن التاريخ لن يرحم أحداً فينا، فمهما قال فيه بعض المغرضين والمتكسبين أو لمزوا أو غمزوا صراحةً أوضمناً، فالحقائق ناصعة وتشهد على ما انجز هذا الرجل وحقق، لا بل أن العالم وبعض الجهات الدولية المشاركة في حصارنا المالي وتضييق السبل في وجهنا، عبر إفقار السلطة والحكومة لأهداف سياسية كبرى، شهدت هي الأخرى ببراعة ما أنجزنا تحت قيادة الرئيس محمود عباس أبومازن وعلى يد فياض، من البناء المؤسسي والجاهزية للدولة وإدارة الذات بالذات . فعوامل الأزمة في جلها خارجية جداً، وكلنا نعرفها إلاَّ هذا البعض المُعَطِّل، الذي يعرفها ويحرفها ليهاجم هذا الرجل لحسابات وأجندات فرديه وفئوية خاصة. نعم، انهم يستهدفون اليوم افشال المشروع السياسي والاصلاحي الذي اختطه وحمل لوائه الدكتور فياض.
عليكم أن تتخيلوا حجم الأزمة كم سيكون، لولا الإجراءات التقشفية الصعبة التي انتهجها رئيس الوزراء المستهدف وأدت اليوم إلى تقليص الاعتماد على المساعدات من مليار و 800 مليون عام 2008 الى أقل من مليار في العام 2011. مع أن بلدنا يعتمد بالأساس على المساعدات المحددة والمقيدة، لكن بفضل هذه الإجراءات من إعادة الهيكلة والبناء والمأسسة في القوانين والنظم، تمكنا من ذلك، وهذا منهج إداري مشروع ومشفوع بالتجارب الناجحة والقوانين والتشريعات الدولية.
أوليس فياض هو الذي قام وبتكليف من سيادة الرئيس بانجاز الاتفاق مع الإسرائيليين مؤخراً، حول المقاصة، وحول انشاء المنطقة الجمركية الفلسطينية التي وافق الإسرائيليون أخيراً على إنشائها ، بعد جهدٍ جهيد، وهي إذا نفذت، سنضبط من خلالها كل ما كانت إسرائيل تسطو عليه من أموال فلسطينية بحجة أن الجانب الفلسطيني لا يقدم لهم فواتير المقاصة، وهذه أموال طائلة ليس أقلها ضبط التهرب الضريبي، فوجود منطقة جمركية ستوفر على التاجر وقتاً ومالاً وتضبط التهرب الضريبي وعملية التقييم السلعي على نحو أفضل وأجزى وأرشد، لصالح شعبنا المنهوب إسرائيلياً. عليكم أن تتخيلوا بدون هذا التقليص كم ستكون أزمتنا مضاعفة وكارثية.
فياض بحق، هو القائد الفعلي والميداني لعملية ضبط الإنفاق التي تمت في فلسطين، وبقاؤه مكسب للشعب الفلسطيني، وهذا من الأسباب التي جعلت منه هدفاً لخصومه ومبغضيه والفاسدين المكفوفة أيديهم عن المال العام تحديداً.
نعم يا سادتي، هو الذي شهد عهده قيام شبكة الأمان الاجتماعي التي تديرها بشكل أساسي وزارة الشؤون الاجتماعية، وهي تتحول بفضل إجراءاته الصارمة والمسؤولة، من هبات ومكرمات عمال على بطال وعشوائية كما المستوطنات البغيضة، إلى نظام يضبط المسألة ويخضع الناس والمسؤولين للمساءلة ولمنطق الشفافية ويوزعها على نحو عادل لمن يستحق بعد منعها عمن لا يستحق.
من حقنا أن نحتج على الغلاء وعلى السياسات العدوانية التي تستهدف شعبنا بكل المعاني، وهو ما رحب به الرئيس والحكومة ووقفوا بمسؤولية وطنية وجدية أمامه، لكن هذا الإحتجاج لا يجوز أن يوجه ويُلْوى عنقه، على هذا النحو الذي قد يرتد الى نحورنا بدلاً من نحور أعدائنا المتسببين في إقفارنا وإفقار السلطة والحكومة عن عمد وإصرار وتخطيط، في إطار حملتهم في التضييق على شعبنا وعلى الرئيس ورئيس الوزراء والحكومة كذلك، ناهيك أن عاملاً آخر في هذا الغلاء الفاحش، هو انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية، وارتفاع الأسعار عالمياً، وليس محلياً كما يحاول البعض تصويرها لركوب موجتها وإدخال شعبنا والسلطه الوطنية في الحيط.
المسألة ليست دفاعاً عن فرد بعينه، وإنما دفاعاً عن نهج وسياسات ونظم اجتماعية ومؤسسية أرسيت، وفيها من العدالة ما يكفي للتمسك بها وحمايتها، برغم أعراضها وآثارها الجانبية المؤلمة. وفي أسوء الحالات هي الكحل الأفضل من العمى الذي ساد قبلها، واللي عندو يتفضل يقول.
ولو كان الأمر يتعلق بالسلطة والحكومة، فلماذا إطلاق هذه الرزمة من الأزمات في وجه الرئيس ابو مازن أولاً ورئيس الحكومة والحكومة ثانياً والمجتمع الفلسطيني كذلك، في هذا التوقيت ودفعه واحدة. فهل تذكرت الحكومة الإسرائيلية مثلاً ديون الكهرباء الآن وقبلها كانت طي النسيان؟! ابحثوا من هو المستفيد من هذه الهجمة، فستجدوا حتماً الفاعل الحقيقي، الذي يتوجب الصمود والتوحد في التصدي له وليس إطلاق النار جزافاً على ذاتنا الفلسطينية.
لقد بحثت كثيراً، فلم أجد ما يمكن الترحم عليه أو التغني به من إنجازات وأداء أفضل لسلف الدكتور سلام فياض، وعَلَّني أجد ما يفسر ولو نسبياً الهجمة الشرسة التي يتعرض لها هذا الرجل فلم أجد . بل أن ما حققه فياض وأنجزه من إصلاح مالي وإداري وبكفاءة مهنية عالية، بكل موضوعية أقول لم نشهده من قبل، ولن نشهد بعده، إذا نجح هؤلاء بتنفيذ مأربهم وتسويق افتراءاتهم على هذا النحو المخجل والمكشوف، الذي سندفع ثمنه غالياً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وسنندم كما في كل مرة حين لا ينفع الندم، فنحن من تعودنا أن ندرك قيمة الأشياء والبكاء عليها بعد فقدها.
ما يجري هو عملية إفقار للسلطة قبل المواطن، والذين يعملون على إفقار السلطة وقطع مواردها، يعلمون معانيها وارتداداتها التي أفقرت الناس، وبالتالي فياض برئ مما يدعون، وهو جزء من الوضع الفلسطيني المأزوم بأيد خارجية، لا بل حاله أسوأ من حال المواطن العادي، لأنه في الواجهه وموقع المسؤولية أمام الشعب. وبالتالي وجدنا اليوم من يجرِّدون شفرات ألسنتهم في التحريض علية وتلبيسه مسؤولية هذا الغلاء والوباء دون وجه حق.
المؤسف المخجل، هو أن الكل يهاجم شخص رئيس الوزراء باعتباره رب عمل، وهذا غير صحيح ومجافي للحقيقة، وإذا أردنا تسجيل شيء من هذا القبيل، فيمكن تلمسه نسبياً في مراحل ما قبل فياض. ففياض هو باني المؤسسة ومرسخ القوانين ونظم الصرف والمأسسة، بعد ما كان الصرف منفلشاً ويقطر فساداً في الواقع الفلسطيني على شكل هبات ومكرمات وتنفيعات من دون ضوابط قانونية ولا مؤسسية. وإن كان اليوم ثمة استهداف مقصود ضد الرئيس وفياض، فهو بسبب إصرارهما على وضع القوانين والنظم التي قطعت دابر المنتفعين والمتكسبين على حساب الشعب، وليس العكس، وهذا أمر يشرف فياض ويسجل له لا عليه إن كنا صادقين. ولعل ما يثير الدهشة والغرابة هو أن غالبية مبغضيه ومنتقديه إن لم نقل جلهم، هم من العارفين بحقائق الأمور التي تقول بأن القرارات وقوانين الضريبة والأزمة المالية هي خارج إرادة ونفوذ فياض والسلطة ومفروضة على الشعب الفلسطيني بكل مكوناته. مثلما هي مفروضة على دول أخرى في سياق النظام العالمي واشتراطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضمن المنظومة الجديدة المتكاملة، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضاً، طبيعة الضغط والإبتزاز السياسي الذي يمارس على السلطة الوطنية برئيسها وحكومتها ورئيس وزرائها قبل غيرهم. نعم ثمة من يريدون افقار هذه السلطة والشعب عن عمد وسابق إصرار ولكن العوامل خارجية فوق إرادتنا وليست داخلية بهذه البساطة التي يتعمد البعض تصويرها وكأنها قرارات فياض.
لا يا سادتي، هذا ظلم وإفك وبهتان للذات الفلسطينية وللرئيس والحكومة وكل ما تعنيه السلطة من مكونات. فالقرارات مفروضة علينا وعلى السلطة كما على غيرنا، باعتبارنا جزء من المنظومة المالية والاقتصادية في المنطقة وإن بمساحة شراكة ميكروسكوبية قياساً بالآخرين لكنها مفروضة علينا وملزمة لنا مثلما هي ملزمة لغيرنا.
أعجب لمن يشعلون هذه النار ويسعرون حملة الإفك هذه ضد فياض في هذا الظرف المتخم بالأزمات والضغوط والإنسدادات السياسية والمالية المقصودة ضد الشعب الفلسطيني، مع أنهم يعلمون حقيقة الأمر علم اليقين وسيرون الجحيم إذا لم يثوبوا لرشدهم وينتصروا لمصلحة البلد أولاً. وما لم يتكاتف القطاع الخاص والحكومة والمواطن في تحمل المسؤولية الوطنية أمام جسامة هذه الأزمة، فإن مقومات وعناصر الصمود الفلسطيني معرضة لخطر الانهيار الشامل الذي لن يبقي ولن يَذَر. لذا فعلينا جميعاً أن نعلم ولا ننسى أن الرئيس رئيسنا والحكومة حكومتنا وفياض فياضنا والمسؤولية علينا جميعاً.
[email protected]
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز