ولادة جديدة في القدس

  • الثلاثاء 2012-09-04 - الساعة 18:26

 

بقلم: د.حسن عبد الله

القدس التي كانت مركز الحضور اليومي المكثف لمواطني القرى المحيطة بهذه المدينة العريقة ، لا سيما قرى شمال غرب القدس ، حيث كانوا يتسوقون ويبيعون ما تنتجه ارضهم . وفي اقصاها يصلون ومن مؤسساتها التعليمية ينهلون . وفي مقاهيها يلتقون ، يتحدثون ويتباحثون في شؤونهم ، ويفضون بما يعتمل في صدورهم ، وكأن الابتعاد عن القرية ولو لفترة محدودة يعطيهم فرصة للانطلاق والتحرر جزئيًا من القيود والعادات القروية الصارمة التي تفرض نوعًا من الخصوصية على العلاقات الاجتماعية.

القدس المدينة المفتوحة ، ومسرح التعددية والانفتاح النسبي واختلاط الاصوات وامتزاج العَرَق وتعدد الالوان واتساع الابعاد وانفتاح الافق، كانت حاضنة دافئة للمواطن الريفي القادم من قريته محملًا بحبه للحواري العتيقة المنحوتة من حجارة التاريخ.

في المدينة العميقة الجذور ، كان الريفي يمتحن في اسواقها قدراته وخبراته في البيع والشراء ، وفي ممارسة مهاراته الطبيعية التلقائية في العلاقات الاجتماعية ، ويمتحن استعداده على التأقلم مع رتم حياتي اسرع واعقد من بساطة ومتطلبات واشتراطات الحياة القروية المحمية بالعائلة والقرابة والنسب والجيرة .

كل هذا افتقده المواطن الريفي عندما اوصدت في وجهه ابواب القدس ، فأخذ يبحث عن بدائل اخرى تعوضه ، فلاح له خيار رام الله ، المدينة الحداثية ،التي راح يبحث فيها عما افتقده في زهرة المدائن. طال البحث سنوات وسنوات ، لكنه لم يجد رائحة تشبه تلك الرائحة الفواحة التي يعبق بها خان الزيت وسوق العطارين . ولم يجد طعمًا للحورينه والزعتر والكعك والتمر هندي ، كالذي تذوقه في القدس ، عندما كانت ابوابها مفتوحة واسواقها تلف الزائر بالطمأنينة والمحبة والخشوع .

انها القدس .. وهل في الدنيا اجمل وأكثر عراقة من حجارة القدس ، ومن حواريها المتشكلة من روح الزمن ، تعيش وتتواصل وتتغذى من مشيمته.

 

انها القدس التي تعلمت من التاريخ كيف تولد وتكبر المدن ، وعلمته كيف بمقدور مدينة ان ترد الجميل للتاريخ حبًا وعطاءً واستمرارية وبقاءً ونقاءً حتى لو اشتدت حلكة ليلها او غطت الغربان سماءها وحجبت الرؤية عن معالمها .

القدس اذن تعلمت من التاريخ وعلمته ، تعلمت منه الحياة ، وعلمته بدورها دروسًا جديدة في الحياة ما كان ليتعلمها ويعيها لولا مدرسة القدس.

في المدينة المقدسة وجد نفسه بعد سنوات طوال مع مئات الاف الفلسطينيين ( من فوق سن الاربعين ) الذين " شدوا الرحال" في الجمعة الاخيرة من رمضان للوصول اليها ، ليشعر ربما للمرة الاولى ، باهمية جري عقارب ساعة العمر ، بخاصة وان كثيرًا من الفلسطينيين تمنوا للحظة او للحظات او ليوم كامل لو كانوا جميعًا فوق الاربعين ليتسنى لهم زيارة القدس في اطار المسموح لهم بذلك.

وبعد ان تفقد بين طوفان البشر الاقصى وكحل عينيه بباحاته ، وبعد ان استرجع ذكرياته في الحواري والشوارع الضيقة التي احتضنت خطوات قلبه وعقله قبل ان تحتضن خطوات قدميه ، اقتنص فرصته ليزور بيت انسبائه " ال الرابي " في حي وادي الجوز ، حيث ابنته رزان التي لم يتمكن زيارتها منذ ان تزوجت وانضمت لهذا البيت منذ ثلاث سنوات.

كان اللقاء حميمًا مفعمًا بالعاطفة ، فان ترى رزان والدها يجول بعينيه بين اركان بيتها، فهذا حدث استثنائي بالنسبة اليها ، وكذلك الحال بالنسبة الى زوجها ووالديه وجده المربي الكبير راتب الرابي ، الشيخ الجليل الثمانيني ، حيث علم وخرج اجيالاً من طلبة القدس ، الذين اصبحوا اشجارًا مثمرة وارفة الظلال تزين بساتين الوطن .

وكانت فرحته عظيمة عندما لحق به بعد ساعتين من الزمن زوجته وابناؤه الذين لبوا دعوة الانسباء لتناول طعام الافطار . وعلى المائدة الحافلة التي نصبت في حديقة المنزل وتوجتها " ام راتب " بلمساتها المقدسية ، تذوق ما استطاع تذوقه من صنوف الطعام ، لكنه كان مشدودًا لتذوق سحر المكان وعذوبة الاضواء وتنشق تلك النسمات الصيفية الليلية المقدسة التي انعشت فؤاده .

 

وللحظات لم يدر كيف سافر وعبر زمنيًا ثلاثة عقود خلت ، حينما كان يعمل في جريدة يومية، وتحديدًا في مقرها القريب من هذا المكان .. وكيف كان يمارس طقوسه الكتابية في الغرفة العتيقة التابعة لمقر الصحيفة .. وكيف كان يحرر صفحته الثقافية في اطار عملة الصحفي. ولم يدر كيف استعاد روح الشباب ليجد نفسه واقفا قبل ثلاثين عامًا " حين كان طالبا جامعيا " امام جموع المحتشدين في ساحة نادي الموظفين يلقي نصوصه الادبية او يتولى عرافة الاحتفالات في المهرجانات.

استرجع صور اصدقاء ومواقف وذكريات ، وتوقف عن الدعاء الذي اورده في كتابه "رام الله تصطاد الغيم" ، الصادر في العام المنصرم، والذي رصد فيه المتغيرات التي اجتاحت مدينته في السنوات الاخيرة .. وكيف انه رغم حبه الكبير لرام الله ، لم يسره نموها واتساعها وتعاظم مكانتها على حساب القدس ، لاسباب معروفة للقاصي والداني. فقال في( نصه- دعائه) الذي خص به رام الله : " اللهم احفظ هذه المدينة من نفسها. اللهم احفظها من المرحلة . اللهم اجعلها تعرف وتدرك دورها وحجمها بدقة. اللهم ثبت في اعماقها قناعة ، انها رام الله، وليست القدس ولن تكون " .

لكن صوتًا انتشله فجأة من ذكرياته : " لقد دهم المخاض رزان " فرأى الجميع وقد تدافعوا لنقلها الى المشفى ، فكانت الولادة بعد ثلاث ساعات. وتساءل هل هي الصدفة الرائعة؟ ، هل هو القدر؟، هل هي هدية القدس التي خبأتها له ، ليستقبل حفيده الاول " أبسال " في القدس وليس في رام الله. فكان الحدث زيارة جديدة ، ولادة جديدة .كانت حياة اصرت على الخروج من احشاء القدس . وكانت صرخات " ابسال " المعبرة عن انضمامه للجسم الفلسطيني في القدس .. وكانت ضحكات القدس ، التي اؤكد انني سمعتها، ولا اصدق من قال لي : انك تخيلت هذه الضحكات . اجزم انني سمعت القدس تضحك.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز