المساكن الشعبية.. عالأرض مقاومة

  • الجمعة 2020-06-05 - الساعة 10:30
بقلم: موفق مطر

يلجأ شبابنا للبنوك للحصول على قروض سكنية تمكنهم من تأمين متطلبات الدخول ميدان الحياة الزوجية وتكوين العائلة، لكنهم يصطدمون بالقيمة العالية للدفعة الأولى والقسط الشهري الذي يبلغ ضعفي راتب الواحد منهم أو ربما كل مخصصه الشهري إذا كان موظفا جديدا وبشهادة جامعية كالهندسة مثلا، الأمر الذي يصعب عليهم فكرة الزواج والاستقلالية في الحياة وتكوين عائلة، فيما تتدافع هواجس الهجرة أو الاتجاه نحو مخالفة قانون الخدمة المدنية أو العسكرية  كاللجوء الى عمل آخر غير الوظيفة الحكومية، ناهيك عن قتامة مشهد الحياة اليومية لا يفارق ناظريه فيما يرى بأم عينه العمارات الشاهقة الأنيقة و(الفيلات المليونية) عن يمين وعن شمال فيما صور الشقق الفخمة المعروضة للبيع في إعلانات على شاشات وصفحات التواصل الاجتماعي تغزو ليس بصره يوميا وإنما أفكاره وإيمانه وفلسفته حول الانتماء والالتزام والعطاء والتضحية، ونقصد هنا الشباب الذين كرسوا حياتهم خالصة للوطن والقضية وشاء القدر أن يبقوا أحياء يؤدون الواجب الوطني - كل حسب اختصاصه -  في أجهزة المؤسسة الأمنية وموظفين في الوزارات ومؤسسات السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ندرك جيدا حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على الحكومة، ونعلم الكثير من تفاصيل الأعباء التي تتكبدها لتأمين فاتورة الرواتب، لكن خطط عمل مشترك مابين القطاعين العام (الحكومي) والخاص، ترتكز على قوانين استثمار ورؤية استراتيجية، نعتقد أنها ستكون قاعدة لبرنامج صمود ومقاومة شعبية من نوع آخر عبر أحزمة " مساكن شعبية " نحاصر بها المستوطنات، فنمنع تمدد أخطبوط الاستيطان الاستعماري، ويتطلب هذا الملف الوطني بامتياز حسب تقديراتنا شراكة عملية بين القطاع الخاص والرأسمال الوطني والحكومة، يتحمل كل ضلع في هذا المثلث المقدار الوافي من المسؤولية المادية لرفع أركان هذا المشروع التجذيري المقاوم على الأرض.

يحتاج أبناء الشهداء والأسرى والموظفون ذوو الدخل المحدود لهذا المشروع ورؤيته واقعا وحقيقة مادية، كحاجة الوطن لعطاءاتهم وتضحياتهم اللامحدودة، فالبيت الفلسطيني أولا وأخيرا علامة إضافية على الحق التاريخي والطبيعي لشعبنا الفلسطيني في أرض وطنه فلسطين، والبيت سيبقى وثيقة ملكية أبدية لهذا الشعب لأرض وطنه حتى لو كان المالك أنا أو أنت أو هو أو هي.

"ألا تعلمون أني أريد بناء وطن صغير في هذا الوطن الكبير، وأني لا أريد المستحقات التي أطالب بها إلا لتحقيق هذا الهدف".. قلت هذه العبارات لوزير الإسكان قبل حوالي ستة عشر عاما أثناء نقاش حول حقوقي كمواطن لاسترجاع مبلغ كان دفعة أولى وأقساط عشرة أشهر في مشروع سكني أطلقته الوزارة لمقاومة الاستيطان فيما يعرف بمنطقة البوليس الحربي إلى الجنوب من مدينة غزة، لإيقاف تمدد (مستعمرة نتساريم) آنذاك في المنطقة بعد أن دمرته قوات الاحتلال وجرفت ركام عمارات المشروع إثر نسفها بالمتفجرات في الأيام الاولى لانتفاضة الأقصى في العام 2000، لكن آمالنا بقيت سامية، لم تنل من فكرة التجذر والبناء في أرض وطننا، ولم تسقط مع الركام الذي بقي شاهدا حيا وناطقا على جرائم حرب وضد الإنسانية كان الإنسان الفلسطيني ضحيتها.

الأرض والبيت لا يمكن فصلهما عن كينونة الإنسان، إنهما وطن صغير في الوطن الأكبر والأعظم، ففي البيت والأرض يتجلى استقرار المواطن وشعوره بالأمان المنشود، وتكتمل رؤيته للمستقبل، فالمشدود والمرتبط بجذور البيت والأرض القوية المتينة يبقى محصنا، لا تنال منه أسلحة الاحتلال والاستعمار العنصري وآلته المدمرة، تحديدا ونحن في صراع وجودي مع مشروع صهيوني احتلالي استعماري عنصري أنكر وجودنا على أرض وطننا فلسطين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز