لماذا الإصرار على حل الدولتين؟!

  • الجمعة 2020-05-22 - الساعة 09:38
بقلم: محمد ياغي

 

النية الإسرائيلية بضم مناطق «جيم» في الضفة الغربية قديمة وهي تشكل جوهر برنامج اليمين الإسرائيلي: عزل الفلسطينيين في داخل المدن الفلسطينية وضم ما تبقى من أراضيهم لإسرائيل.
مصير الفلسطينيين داخل هذه المدن يحدده المستقبل.
إسرائيل تأمل ببقاء السلطة مسؤولة عن هذه التجمعات السكانية لكنها في نفس الوقت تدرك بأن وضعا كهذا لا يمكنه الاستمرار.
الزيادة الطبيعية للسكان، وبالتالي الحاجة للتوسع الجغرافي وللنمو الاقتصادي، ستفرضان في المحصلة صداما مع إسرائيل ولن يكون بإمكان أي سلطة منع ذلك.
إسرائيل تدرك هذه المعضلة وبالتالي إبقاء التجمعات السكانية الفلسطينية تحت مسؤولية السلطة هي بالنسبة لها في المحصلة حل مؤقت الى أن تتوفر الفرصة لإلحاق هذه المعازل بالأردن تهجيراً أم ضمن صفقة سياسية. 
بالطبع لا توجد مصلحة للأردن في كل ذلك وهو سيرفض وسيقاوم، لكننا ندرك أن لا شيء مع إسرائيل يتم بالاتفاق وهي تفرض ما تريد بقوة جيشها وبدعم أميركا لها وبصمت ما تبقى من العالم على جرائمها.
هذا هو المشروع الإسرائيلي الذي تحدثنا عنه في «الأيام» منذ عدة سنوات، وهو ما بدأ الكثير من المثقفين الفلسطينيين يتحدثون عنه، اليوم، وهو ما تدركه السلطة، الآن.
المشكلة لا تكمن في التحليل لأن الجميع يدرك الآن ما تفكر وتخطط له إسرائيل. المشكلة تكمن في كيفية الرد على هذا المشروع.
طبعا، هنالك بديهيات مثل الوحدة الوطنية وتفعيل المنظمة وتوسيع دائرة اتخاذ القرار وغيرها من الإجراءات التي يتحدث الجميع عنها، لكن في هذا المقال أريد التركيز على حقيقة أن المشروع الإسرائيلي يسقط حل الدولتين الى الأبد وأن هذا هو بيت القصيد الذي علينا التفكير فيه.
يجب ألا نضع رأسنا في الرمل ونستمر بالحديث عن حل الدولتين ونحن ندرك أن هذا ليس أكثر من وهم، وان استمرار الحديث عنه وكأنه لا يزال أحد الخيارات القائمة يضر بالقضية الفلسطينية وبمستقبل الفلسطينيين على أرضهم. 
لا يمكن إقامة دولة في معازل منفصلة عن بعضها البعض أو تربطها جسور معلقة في الهواء أو أنفاق تحت الأرض.
لا توجد دولة في العالم حدودها تتحكم فيها دولة أخرى، ولا مكان لدولة فلسطينية على خارطة العالم دون القدس الشرقية لأن فلسطين بالنسبة للغالبية الساحقة من الفلسطينيين ومن العرب والمسلمين هي القدس.
حل الدولتين سقط، وعلينا وعلى السلطة الفلسطينية وفصائل المنظمة أن نقر بذلك، لا أن نترك الباب مفتوحاً للنقاش وكأن هنالك أملا في أن هذا الحل لا يزال ممكناً.
الإقرار بذلك يفرض علينا السؤال التالي: ما هو بديل حل الدولتين؟
بالنسبة لإسرائيل، قلنا إن مشروعها واضح وهو ترحيل الفلسطينيين للأردن عندما تتوفر الفرصة لذلك.
بالنسبة للفلسطينيين، البديل الوحيد الممكن هو حل الدولة الواحدة.
لكن لهذا الحل استحقاقات. دعونا نتحدث أولاً عن الحقائق حتى يمكننا الحديث عن الاستحقاقات.
الحقيقة الأولى ان السلطة لا يمكنها ان تدير ظهرها لعشرات الآلاف من موظفيها وعائلاتهم وهي بالتالي لا يمكنها أن تحل نفسها حتى لو توفرت لديها الرغبة بذلك. ومن يطالب السلطة بحل نفسها عليه أن يقدم حلا لمشكلة مئات الآلاف الذين يعيشون حياتهم على الرواتب التي تدفعها السلطة نهاية الشهر لموظفيها.
القول، إن على الفلسطينيين أن يصمدوا وأن يتحملوا وأن يتشاركوا «رغيف الخبز» هو شيء جميل، لكنه لا يكفي لصمود الفلسطينيين لسنوات ستطول في الصراع مع إسرائيل.
الحقيقة الثانية ان السلطة لن تقوم بحل الأجهزة الأمنية فهي تعتبرها مظهرا من مظاهر سيادتها، وفوق ذلك هي تدرك أن حلها سيؤدي الى مقاومة عنيفة للاحتلال تتعارض مع «الهوية السلمية» للسلطة ومع توجهها للمفاوضات الذي كرسته خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة على الأقل.
الحقيقة الثالثة ان السلطة تعتبر نفسها دولة وتقوم على ارض الواقع بممارسة ما تقوم به الدول القائمة. السلطة بنيتها التنظيمية هي بنية دولة، علاقاتها الخارجية قائمة على أنها دولة، وهي تمارس سلطتها على الفلسطينيين كدولة.
أكثر من ذلك، السلطة توسع من عضويتها في المنظمات الدولية لأنها تعتقد أن القيام بذلك يكرسها على أرض الواقع كدولة.
حقائق «الدولة» تواجهها حقائق الواقع المرة التي تذكر السلطة بأنها ليست دولة مهما حاولت.
الاقتصاد الفلسطيني ملحق بالإكراه بالاقتصاد الإسرائيلي ولا يمكن الفكاك من ذلك دون دولة خاصة بالفلسطينيين كاملة السيادة، وهو حل لم يعد ممكناً.
السلطة تستلم نصف أموالها من إسرائيل لأن الأخيرة تقوم بجمعها لها من أموال المقاصة الفلسطينية، وهي بالتالي قادرة على حرمان السلطة منها أو الاقتطاع منها عندما ترغب بذلك.
الفلسطينيون لا يستطيعون استيراد كيس سكر واحد إذا لم تسمح بذلك إسرائيل.
مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين يعتمدون في رزقهم على العمل داخل إسرائيل.
لا أحد يمكنه الحركة داخل المدن الفلسطينية او بينها او الى خارج فلسطين ما لم تسمح إسرائيل بذلك. 
هذه الحقائق يجب أن تبقى حاضرة عندما نناقش استحقاقات الدولة الواحدة.
السلطة لن تقوم بحل نفسها او أجهزتها الأمنية أو ان تتخلى عن مهام الدولة التي تقوم بها، وهي في نفس الوقت عاجزة عن الاستقلال عن إسرائيل.
الذهاب باتجاه خيار الدولة الواحدة يتطلب التركيز على أن إسرائيل مسؤولة عن كل شيء وتعميق الارتباط بها بما في ذلك التخلي عن السعي للانضمام للمنظمات الدولية والانسحاب من العديد منها، وتخلي السلطة عن المهام التي تكرسها كدولة مثل إصدار جوازات السفر والرقابة على المعابر وغيرها الكثير بالطبع وهو ما لا تريده السلطة أو تشعر في أجزاء منه على الأقل بأنه لا يخدم مصلحة الفلسطينيين.
هذه المعادلات تتطلب نقاشاً واسعاً وجاداً وجريئاً بين الفلسطينيين للوصول الى أفكار عملية وخلاقة تدفع باتجاه حل الدولة الواحدة، كونه الخيار الوحيد المتبقي لهم مع مراعاة ما يمكنهم القيام به وما لا يمكنهم القيام به.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز