عولمة الـ'كورونا'، ونهاية العالم

  • الإثنين 2020-03-30 - الساعة 12:30
بقلم: عاطف أبو سيف

الأمر لا يرتبط فقط بالمشاهد غير الحضارية التي انتشرت في بعض البلدان والتي عكست غياب قيم التضامن والتكافل في أوقات الأزمات، بل أيضاً في سلوك بعض الدول في التعامل مع مصائب الآخرين.
في إشارات سابقة تحدثنا على هذه الصفحة عن التحولات في بنية التنظيم الدولي مع ظهور فايروس "كورونا" وانهيار مفاهيم مثل التضامن والتغيرات في العلاقات التي تربط الدول.
من المؤكد أن سلوك الأفراد يعكس طبيعة البشر كما سلوك الدول يعكس سلوك الأفراد. وغياب القيم والمثل التي تجعل التعاون أعلى من قوانين البقاء على حساب الآخرين ليس إلا ترجمة لهذا السلوك.
الدولة أيضاً كائن له تصرفاته وله سيكلوجيته الخاصة التي يتصرف وفقها. والبحث السياسي ومكونات الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية تحدثت كثيراً عن هذا الجانب.
كما أن تاريخ الفكر السياسي والإنساني بشكل عام تطرق منذ فجره إلى معضلة القيم والأخلاق في السياسة، ولم يغب يوماً السؤال الجوهري حول المفاضلة بينهما.
فالأخلاق بالنسبة للبعض لا تتفق مع المصالح وتتعارض مع غايات السياسة، وفي الأغلب كان يتم ترجمة هذا بالإشارة إلى مجتمع الغاب أو عالم هوبس حيث يأكل القوي الضعيف من أجل البقاء، فيما البعض كان ربما انصياعاً للقيم الذاتية كان يشير إلى التوافق وعدم التعارض بين القيم والسياسة، لأن المصالح إذا تأسست على القيم لا يمكن أن تتنافى معها وبالتالي لا تتعارض.
كان تصرف الدول المنفرد في التعامل مع الأزمة يعكس الحقيقة التي باتت واضحة والمتمثلة في غياب التضامن الدولي وعدم وجود جهود مشتركة لمعالجة الأزمة الكونية.
ورغم ظهور أصوات مؤخراً في المنظمات الدولية تنادي بضرورة تنسيق الجهود من أجل وقف الكارثة التي تنتظر البشرية مع تعاظم انتشار الفيروس فإن هذا لا يعني أن دول العالم باتت أكثر استعداداً للتضامن والتعاون لاسيما أن كل دولة منهمكة بمواجهة آثار الأزمة داخلياً في ظل تمكن الفيروس من المساس بالاستقرار وبالنظم الصحية في البلدان.
إن غياب مثل هذا التضامن ستكون له آثاره السلبية على علاقات البلدان فيما بينها بعد ذلك وسينعكس بشكل كبير على طبيعة التنظيم الدولي اللاحقة.
كانت أهم آثار الحرب العالمية الثانية بالنسبة لأوروبا القارة التي مست الحرب أكثر من غيرها هو صعود فكرة التضامن الأوروبي التي تمظهرت بإنشاء شركة الحديد والصلب من أجل تجنب الصراع على المواد المستخدمة في إنتاج الأسلحة.
تطورت الفكرة من الخمسينيات إلى اتحاد سياسي واقتصادي العام 1992 وبعد ذلك إلى تكامل في القطاعات المختلفة التي تهم المواطنين حتى باتت فكرة السياسة الخارجية الموحدة والسياسات الأمنية والبحث عن جيش موحد لأوروبا قاب قوسين أو أدنى من التحقق خاصة بعد نفاذ اتفاقية ماسترخيت.
والاتحاد الذي كان بين ست دول بات بين ثمانٍ وعشرين دولة في توسع كان يمكن له أن يصل إلى أكثر من أربعين لو أراد.
ورغم الأزمات الكبيرة التي أصيبت بها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية حافظ الاتحاد وحافظت فكرة التكامل الأوروبي التي نادي بها آباء الوحدة الأوروبية قبل عقود من ظهورها على أهميتها بالنسبة للدول وللمواطنين.
صعوبات اقتصادية جمة في فترات مختلفة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وتوتر خلال الحرب الباردة وسباق تسلح، وبعد ذلك إدماج الديمقراطيات الحديثة خاصة في أسبانيا والبرتغال في مطالع الثمانينيات إلى استيعاب التحول في وسط وشرق أوروبا بعد انهيار جدار برلين وتشجيع الديمقراطيات هناك ومواجهة الحروب الصغيرة الناتجة عن تفكك بعض الدول فيها.
فترات ظلت فيها فكرة الاتحاد وما يشير إليه من تضامن وتكافل وتكامل تعني الكثير وتجذب الكثيرين.
وأمام فيروس كورونا بدا أن الأمر مختلف، فأوروبا المتكافتة والمتضامنة فجأة بدت فردية وأنانية وصارت دولها لا تبحث إلا عن مصالحها ومواجهة أزماتها وحيدة.
العالم المفتوح على بعضه البعض والتنقل الحر وزوال كل الحواجز في أوروبا أغلق نفسه على نفسه وانشغلت كل دوله بالبحث عن حلول خاصة بها.
في فيديو مؤثر تشتكي مواطنة إيطالية من أوروبا التي تركت إيطاليا معهد الحضارة الغربية وحيدة، وتلوم على رؤسائها عدم تقديم يد العون للجمهورية الأعرق في القارة لمواجهة الجائحة حيث لم يتم تقديم الأدوية بل منعت عنها وكاد الجهاز الصحي فيها ينهار دون تدخل أو مساعدة.
وبالنظر إلى هذا الانهيار في القيم فإن ثمة ما يجب أن يقال عن بشاعة الرأسمالية التي تعني في نهاية المطاف أن الدول كما الأفراد تبحث عن مصالحها الخاصة ولو انهار الجميع.
أظن أننا في مرحلة متقدمة من فكرة الربح والنجاة الفردية. والقيم البشعة التي ارتبطت تاريخياً وحذر منها منظرو القيم والأخلاق باتت أكثر وضوحاً في تفسير ما يجري.
صحيح أن النقيض الفكرى المطروح منذ مطالع القرن العشرين له ما يجعله غير ملائم لكن أيضاً البشاعة المرتبطة بالرأسمالية والسوق الحرة تبدو منفرة أمام حقيقة البحث الفردي عن النجاة، حتى تكاد تنهار كل الأفكار الكبرى التي تخلقت مع الدروس الكبرى المستفادة من الحروب الكبرى.
إن انهيار القيم على مستوى الفرد وعلى مستوى الدول مقلق لمستقبل البشرية ويجب أن يعيد السؤال مرة أخرى حول الأخلاق ووجوب تضمينها في كل فعل اقتصادي وسياسي واجتماعي لأنها وحدها التي يمكن أن تحمينا من الانقراض الداخلي.
في نهاية المطاف ستنجو البشرية وسيصبح الحديث عن "كورونا" شيئاً من الماضي ومادة خصبة للأفلام وللروايات وللذكريات الأليمة، لكن الدروس التي يجب البدء في ترتيبها في مفكراتنا يجب ألا تقفز عن استعادة الأخلاق وإيلاء القيم العليا وخاصة التضامن والتكافل مكانة عالية في تصوراتنا نحو المستقبل، إنه المستقبل الذي يجب بقدر خلوه من الحروب أن يخلو من انعدام القيم والأخلاق، وقتها تنجو البشرية. 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز