هل من الممكن منع الأخطاء الطبية؟

  • السبت 2019-10-19 - الساعة 10:25
بقلم: عقل أبو قرع

بين الحين والآخر، تحدث أخطاء طبية في بلادنا، ومنها ما يتم الإعلان عنه ويتناوله الناس وحتى يصبح قضية رأي عام، ومن ثم نسمع ونقرأ عن الاجتهادات والآراء والآراء المضادة، ومنها ما يتم التستر عليه ونسيانه وينتهي الأمر وكأنه قضاء وقدر، سواء نتج عن ذاك الخطأ الطبي الإعاقة أو المرض أو حتى الموت.
وفي كل مرة يحدث فيه خطأ طبي، سواء أكانت هذه الأخطاء الطبية تحدث في المستشفيات الخاصة أو في القطاع الخاص، أو في داخل المستشفيات الحكومية، يتم الإعلان عن تشكيل لجان التحقيق وبغض النظر عن طبيعتها أو حجمها أو عن أهميتها، فإن ذلك لا يشكل رادعاً أمام الخطأ الطبي القادم، ولا يشكل عامل إقناع للمواطن وللمريض بمدى جدية تطبيق توصياتها وإجراءتها التي من الممكن أن تحد من الخطأ الطبي القادم. 
ومع عودة الجدل مرة اخرى حول الأخطاء الطبية في القطاع الصحي الفلسطيني، وبغض النظر عن نتائج لجان التحقيق التي يتم تشكيلها، او عن وجهات النظر التي يبديها البعض من هنا وهناك، إلا ان موضوع الأخطاء الطبية في القطاع الصحي الفلسطيني، أو بالتحديد نظرة الناس الى هذا الموضوع، إذا حدث أمر غير متوقع أو غير مفهوم، سواء أكان حالة وفاة أو حدوث عاهة أو إعاقة، هو موضوع جدير بالاهتمام ويتطلب تسخير وزارة الصحة أو الحكومة حيزاً هاماً له، سواء من حيث النقاش العلمي الموضوعي، أو من ناحية مراجعة السياسات والبروتوكولات التي تعمل على التقليل منه أو التعرف عليه ان حدث، أو من ناحية طبيعة التوجه الإعلامي الى الناس، وتبيان أن الأخطاء الطبية من الممكن ان تحدث في أي مكان طبي في العالم، وأن هناك فرقاً كبيراً بين الخطأ الطبي وبين الإهمال الطبي المقصود أو غير المقصود.    
وكما حدث في الماضي، تثير القضايا المستجدة من الأخطاء الطبية، سواء في القطاع الخاص أو العام، جدلاً متكرراً وبدون نهاية، حول الأخطاء الطبية، وحول الأنظمة المتبعة أو الموجودة حالياً، للتعامل مع  الأخطاء الطبية في حال حدوثها، أو حول اجراءات المتابعة والمراقبة والمساءلة والتعلم والتقييم المتبعة، هذا اذا كانت هناك اجراءات محددة موثقة على شكل بروتوكول، للتأكد من عدم حدوث الأخطاء الطبية من الاساس، وللعمل من اجل عدم حدوثها مرة أخرى ان حدثت، ورغم مأساوية نتائج الاخطاء الطبية ان حدثت، وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية لها، الا انه من المتوقع ان يؤدي الى العمل من أجل التركيز اكثر، على منع حدوث مثل أمور كهذه في المستقبل من الأساس، بعيدا عن تشكيل اللجان وعن الاجتماعات والتصريحات الإعلامية، وبعيدا عن تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، وعن إلقاء اللوم هنا او هناك، والذي لن يساهم إيجابياً في منع حصول أخطاء طبية أخرى، أو في مواصلة تطور وتقدم القطاع الصحي الفلسطيني.    
هذا القطاع، أسوة بالقطاعات الصحية، في الكثير من الدول، من المفترض ان يحتل أعلى الأولويات الوطنية، سواء من حيث الكمية أو النوعية، وبالاخص على صعيد الميزانية الحكومية، سواء من حيث رصد الميزانيات، او من حيث إعداد وتدريب والاحتفاظ بالكفاءات المتخصصة وتوفير الحوافز المطلوبة لها، او من حيث الحصول على افضل الأجهزة والمعدات، او من حيث فعالية الإدارة والمسؤولين، وإجراءات المتابعة والمراقبة، او من حيث طبيعة التعامل والاحترام مع المريض والمواطن والمراجع والمستفسر، او من حيث الاهتمام بالرعاية الصحية بشكل عام، سواء أكانت الرعاية الصحية الاولية وهي الأساس، او الرعاية الثنائية على صعيد المستشفيات، او حتى الرعاية الصحية الثلاثية المتخصصة، او من حيث التركيز على مفهوم الصحة العامة كمفهوم وقائي شامل للمواطن وللبلد وللمجتمع، في ظل الازدياد المخيف في نسبة الإمراض المزمنة، وما يؤدي ذلك الى تبعات اجتماعية واقتصادية وصحية. 
ورغم الإقرار ان هناك تحسناً وتطويراً في خدمات وأجهزة وكوادر القطاع الصحي في بلادنا، الا ان هناك الكثير الذي ما زلنا نحتاجه وبالأخص لمنع تكرار الأخطاء الطبية، والذي وفي ظل الإمكانيات المحدودة، والظروف المعقدة، يمكن القيام به، من خلال سياسات وإجراءات وأمور إدارية، ومن خلال تغيير في ثقافة عمل وتعامل، ومن خلال تطبيق إجراءات، ومن خلال تعديل في فلسفة الإدارة، وإعادة تسخير المصادر حسب احتياجات المواطن الفلسطيني، وحتى الحاجة الى إعادة ترتيب أولويات، والى تبني أنظمة إدارية اكثر كفاءة وأكثر وضوحاً وأكثر نجاعة.
ومع تكرار احتمال حدوث أخطاء طبية، وبالتالي الحديث والجدل حول دوامة الأخطاء الطبية، وبالتالي تصاعد القلق والإرباك والخوف، عند المواطن والناس بشكل عام، او عند المرضى الذين يمكن ان يكونوا في أوضاع مماثلة لتلك التي حدثت فيها هذه الحادثة، فإن معالجة قضية الأخطاء الطبية بشكل خاص، والواقع الصحي في بلادنا بشكل عام، يحتاج الى المزيد من الإجراءات الواضحة، وبالأخص الى تبني وتطبيق فلسفة التوجه نحو المتابعة والمساءلة والتعلم والتقييم، والى التركيز على التخطيط لاستراتيجيات بعيدة المدى، تعتمد على مبدأ الوقاية كأولوية للحفاظ على الصحة العامة، وفي حال موضوع الأخطاء الطبية، الحاجة الماسة، الى وجود إجراءات وأنظمة عملية ومقنعة للناس، تمنع حدوثها من الأساس.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز