من تونس يأتي الفرح

  • السبت 2019-10-19 - الساعة 10:23
بقلم: صادق الشافعي

تأبى تونس الا ان تُدخل الفرح الى نفوس أهل الوطن العربي كلما ضاقت بهم الدنيا واشتد بهم ظلام الكرب.
في خريف 2010 أشعل التونسي البسيط البوعزيزي نفسه ليشعل نار الفرح والربيع وعبق الياسمين في أوصال غالبية بلدان المنطقة العربية.
 في خريف 2019 يوقد الشعب التونسي بكليته تقريباً شعلة الديموقراطية والتغيير ليعيد الفرح الى نفوس كل العرب.
ومع الفرح دائما يحضر الأمل والتفاؤل بالقادم من الأيام واحداثها.
يحصل ذلك في وقت يشتد فيه الكرب ومعه الحزن للحال الذي تعيشه الامة العربية في العديد من بلدانها بدءاً من فلسطين وامتداداً الى اليمن وليبيا وسورية والعراق ولا ننسى الصومال.
الشعلة التي اوقدها الشعب التونسي تأتي لتقول بالصوت العالي والواثق وبالبرهان الملموس ان التغيير وتبادل الحكم ممكن بالطريق الديمقراطي والسلمي في نفس الوقت، إذا ما قرر ذلك الناس اهل البلاد.
الشعلة التونسية تأتي امتدادا وتواصلا مع شعلة التغيير التي اوقدها الشعب السوداني في ربيع هذا العام، ونجحت حركة الجماهير بالتعاون مع العسكر الوطنيين في اسقاط النظام الظلامي القمعي الذي اغتصب السلطة في البلاد لثلاثين عاما متواصلة، ووضعت البلاد على بداية طريق الديمقراطية والتغيير والبناء.
وقد تم كل ذلك بقوة الجماهير وسعة أفقها، وقدرتها على التقاط اللحظة التاريخية وتخليق ادواتها ومستلزماتها واجوائها.
والشعلة التونسية، تتساير مع الشعلة الجزائرية التي اوقدها اهل الجزائر وشبابها في المقدمة منهم، طلبا للديمقراطية والتغيير والشفافية، وطلبا لتقدم البلاد وازدهارها واستعادة دورها الريادي بكامل اتساعه وبكل تألقه وفاعليته.
الشعلة الجزائرية حققت معظم الأهداف التي انطلقت من اجلها، وأيضا بالوسائل الجماهيرية الديمقراطية الوحدوية، والسلمية ايضا. وستنجح بالتأكيد في تحقيق المتبقي منها.
الشعلات الثلاث تعيد الى دائرة الجدل تقييم كل تجربة «الربيع العربي». فتنصف دور وجاهزية الجماهير وتصميمها على إحداث التغيير المطلوب في البلدان المعنية. وتسهم في إعادة الامل والثقة بالنفس لها.
وتعيد اللوم والمسؤولية الى مستحقيهما: القوى والاحزاب السياسية والديمقراطية وقوى المجتمع المدني لعدم جاهزيتها وقدرتها على قيادة الحركة الجماهيرية لفرض التغيير المطلوب. وهوما سمح لقوى الإسلام السياسي الأكثر جاهزية واستعدادا من القفز على قيادة الحركة الشعبية والسيطرة عليها واخذها في اتجاه مراميها وأهدافها الخاصة، ما قاد في النهاية الى افشالها.
ولأن الديمقراطية والتحرر والانتماء العروبي تنزرع عميقا في وجدان اهل هذه الشعلات الثلاث وقواها الشعبية والسياسية، فان فلسطين ظلت حاضرة بقوة وشموخ في كل مظاهر الشعلات الثلاث، بدءاً من المطالب مروراً بالبرامج والمواقف المرفوعة وصولاً الى التحركات والحشود الشعبية على تنوعها واتساعها، فقد ظلت الهتافات لفلسطين عالية صدّاحة. وظلت الاعلام الفلسطينية ومعها لافتات كثيرة مؤيدة ومعبرة ترفرف بزهو وافتخار.
وبالعودة الى تونس، فان الشعلة فيها فرضت لنفسها طابعا خاصا وسمات مميزة، أهمها :
-  ان الطابع العام والطاغي لها انها حركة جماهيرية  شاملة وعمادها الشباب، مع دور ملحوظ للمرأة. وان دور الأحزاب السياسية كان معدوماً او هامشياً.
- ان ساحة فعلها الرئيسية كانت مؤسسات الدول الديموقراطية: الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية.
- ان الناس وعبر صناديق الاقتراع ادارت ظهورها للأحزاب، وحجّمتها بنسبة عالية، وبدرجة تقترب من الاسقاط لبعضها (حزب نداء تونس وهو حزب الرئيس المتوفي لم يحصل الا على عضو واحد في البرلمان المنتخب. اما وريثه حزب تحيا تونس فقد حصل على 14 عضوا من أصل 219 مجموع أعضاء البرلمان المنتخب).
- كان لافتا بشكل خاص، التراجع في قوة وحضور حركة النهضة الاسلامية التي كان يعتقد انها ستكون الوريث لحزب نداء تونس في الرئاسة والبرلمان والحكومة. لكن مرشحها فشل في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، ولم تحصل في انتخابات البرلمان الا على52 عضوا (اقل من 25%).
هذا التراجع يؤشر الى تراجع عام (وغالبا في تزايد) في شعبية وحضور حزب النهضة. ويأتي ذلك منسجما، مع حالة التراجع الواسع والسريع في كل الحركة الإسلامية وحركة الاخوان المسلمين بشكل خاص. ما يضع علامات استفهام جادة على مستقبل حزب (النهضة) ودوره في الحياة التونسية العامة.
ولم يشفع لحزب النهضة تميزه النسبي داخل الحركة الاسلامية بكونه اكثر عقلانية وواقعية.
- ان المال السياسي ومعه الدعاية الانتخابية لم يكن لهما دور حاسم، ولا حتى مؤثر، بدليل ان من نجح في انتخابات الرئاسة وبنسبة عالية ( 72%+) كان الأقل في الصرف وفي الدعاية.
ويا اهل تونس منكم الفرح، ولكم الفرح والمستقبل الزاهر، وفيكم كل الثقة بالاستمرار والمواصلة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز