خليل الذي يخسر دائماً

  • الثلاثاء 2019-09-17 - الساعة 09:08
بقلم: زياد خدّاش

كان خليل في السادسة عشرة من عمره حين افتتح في المخيم ظاهرة المراهنات بين الأصدقاء:
- اتراهن إنه عدد شعرات صدري اكثر من شعرات صدرك؟
-اتراهن إنه أبوي معاه مصاري أكثر من أبوك؟
- اتراهن إنه الجندي اللي قاعد في البرج فوق المخيم من أصل يمني؟
-اتراهن إنه الجيش راح يقتحم  المخيم  الليلة؟
كان الأصدقاء وغير الأصدقاء بالعشرات يراهنون ولم يحدث مرة وأن ربح خليل الرهان،  الرهان الجديد لخليل حين صاح ذات مساء في ملعب كرة القدم أمام حشود المتفرجين على مباراة بين فريقين: اتراهنوا انه  بقدر الليلة أشخ على علم اسرائيل اللي في الموقع العسكري فوق المخيم؟ ضحك الاصدقاء بصوت هز شباك الفريقين، وراهنوا جميعاً خليلا على أنه  سيخسر  كالعادة  الرهان، لأن  الموقع محصن والجنود يقظون وأنه سيعود حتماً جثة هامدة مبللة ببول الجنود، اتفق خليل مع الأصدقاء على أن يكون موعد التسلل  للموقع  العسكري  الساعة  الواحدة ليلاً، كمن  المراهنون على فشل خليل خلف صخرة كبيرة أسفل المخيم، منتظرين صوت رصاصة على الأرجح أو صوت أقدام خليل وهو يهبط نحوهم حاملاً علم إسرائيل الغارق في بوله، مرت ساعة تقريباً، لم يسمعوا رصاصاً أو خطوات، الى أن تدحرج فوقهم جسد خليل الثقيل بيده الخالية تماماً من العلم، كان مصاباً برضوض وبجراح خفيفة هنا وهناك، وصوته خافت ومتألم : أي يا راسي، أي يا ظهري، أي يا كتفي، لقد ترك خليل جسده يسقط متدحرجاً تتبعه رصاصات الجنود، كف الأصدقاء وشباب المخيم على الدخول في مراهنات مع خليل، الذي يخسر دوما، لقد اقنعهم أنه رجل فاشل وسيئ الحظ، بعد أيام دب ضحك  في حارة ( أم الزينات) في المخيم حين وقف خليل فوق صخرة، وخطب في الاصحاب الرابحين المتأكدين:
- اتراهنوا إنه الليلة اليهود راح يعتقلوني وراح يسجنوني بس أسبوع؟ اتراهنوا اني راح اطلع من السجن بعد اسبوع وأخرى خرا على علم اسرائيل هاي المرة؟ لم يضحك  الاصدقاء هذه المرة، صمتوا طويلا.
 هذا كائن عجيب، من أين له كل هذه الثقة وهذه الدقة في وصف ما لا يحدث،؟ همس أحدهم.
 في نفس الليلة لم يداهم اليهود بيت خليل، ولم يعتقلوه، صُعق المخيم من اصرار خليل على مواصلة خساراته، ولم ينتظروا الأسبوع، غاب خليل عن الأصحاب شهراً كاملاً، فقلقوا عليه، كان يجلس صامتاً، يحدق في الجدار، غادر الأصحاب بيته  مستغربين عزلته المفاجئة، هو الذي يملأ المخيم رهانات وجدالات وأصوات عالية،  بقي لديه صديق واحد، وهو أقرب الأصدقاء  الى قلبه وعقله.
- - بشار اتراهن اني راح انجن  بكرة وأفقد عقلي  تماما وأصير أمشي في شوارع المخيم، أحكي مع حالي وأولاد المخيم لاحقيني بالحجارة؟
- ضحك بشار، يا لك من ماكر، هذا لن يحدث أبدا، تذكر أنك تخسر دوما، خرج بشار مطمئنا الى خسارة صديقه الأكيدة.
-
-  صباح اليوم الثاني وأمام حاوية في ساحة المخيم، كان خليل عارياً تماماً، يدخل نصف جسمه في الحاوية ويلتقط عظام اللحم، ويصيح في الناس: اتراهنوا إني أقدر أمصمص هاي العظام؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز