حتى تظل تونس خضراء.. وتزدهر

  • السبت 2019-09-14 - الساعة 08:40
بقلم: تحسين يقين

ستكون التجربة ناجحة وخضراء، فثقتنا بالأشقاء والشقيقات في تونس كبيرة.
عادة، يسمي الرحالةُ أو المسافرون البلاد، فبعد مسيرة طويلة في الصحراء، لاحت تونس باخضرارها، فنالت الاسم، الذي تغنى به فريد الأطرش في "بساط الريح"، من كلمات ابن تونس الشاعر الغنائي الجميل بيرم التونسي، الذي عاش في مصر، وظل محباً ووفياً لتونس حتى جعلها اسمه.
وماذا تعني الخضرة؟ والاخضرار؟ وكل ما نشتقه من كلمات ومعان غير الإيناس..
 فالخضراء تونس إذاً مشتقة من الإيناس، من باب كون الزائر لتونس يأتي بعد رحلة الصحراء.
- هل من معنى هنا؟ طبيعي بشري؟
-..................................
انطلق التنوير العربي في النصف الآخر من القرن التاسع عشر، من مصر والشام، في حواضر بيروت ويافا والقدس ودمشق والقاهرة والإسكندرية، ثم امتدت لتصل عواصم متعددة، وتلك قصة النهضة العربية الحديثة ومآلاتها المحزنة.
لكن والمهم، واللافت للنظر، أن التجربة التونسية، بالرغم مما أحاط بها من ظروف وتفاعلات داخلية وخارجية، استطاعت البقاء، ومثلت مثلا ونموذجا، بل أملاً عربياً في الديمقراطية والحريات، والذي تجلى تجلي الديمقراطية في المستوى الشعبي، والذي شكل ضمانة الاستقرار في ثورة الياسمين. كما تجلى ذلك في التربية والتعليم والثقافة والفنون، مما رسّخ هذا الوعي.
وكان للانتقال السلمي للسلطة، والإصرار الواعي للاحتكام للانتخابات، رغم المحاذير، شجاعة من ناحية، وإيمان بوعي الشعب من ناحية أخرى، وصولا للانتخابات الآن، بعد رحيل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي.
عربيا، تتم قراءة المشهد السياسي التونسي من خلال عدة منطلقات، سواء من النظم السياسية أو المستوى الشعبي، فلكل منظوره الخاص، ولكن بشكل عام، يشكل استقرار النظام السياسي التونسي، وبالتالي المجتمع التونسي، أملا آخر بإمكانية فعل اختراق حقيقي للتطبيق الديمقراطي الأمين.
وفعلا سنتذكر شعر أبو القاسم الشابي: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر؛ فإرادة الحياة لا تعني التخلص من الاستعمار فقط، بل تعني البناء والاستقرار والتنوير الثقافي.
وعليه، فإن من أولويات الحكومة الجديدة، استئناف الاستثمار في الثقافة والفنون، فلا تشتهر تونس بالزيتون فقط، بل المسرح، الذي يعد مألوفا هنا، يشاهده الناس، وغير مقتصر على النخبة، ويتوج ذلك سنويا بمهرجان قرطاج المسرحي، والذي هو من أهم المهرجانات الدولية مسرحياً.
لماذا الثقافة والفن؟ لأنها من روافع النهوض والاستقرار؛ فما يلفت النظر أيضا، هو أن هذا البلد الجميل، بالرغم من الحرية السياسية كنتيجة ديمقراطية، فما زال في مرحلة تحوّل، وبحث وتقييم ونقد ذاتي.
ثمة دلالات في الفضاء العام سياسياً واجتماعياً، بل لعل ما هو اجتماعي أكثر عمقاً، وهو ما أسس وما زال يؤسس لما هو سياسي.
والجميل في تونس، هو نضج النخب المثقفة في طريقة التعامل مع التاريخ السياسي المعاصر، إنه نضج متقدم راق، له دلالات، لعل من بينها ما هو إيجابي فيما مضى، حيث لا يقوم اليوم على نفي الأمس بشكل مطلق، ما يعني دلالة النظر للمستقبل للبناء على المنجز.
لقد استحقت فعلاً "ثورة الياسمين"، وتستحق اليوم دوام الياسمين، فهو هنا يحضر زهراً في بلاد المتوسط، ويحضر معنى ثقافياً واجتماعياً يدل على وعي عميق، وعي شعبي لا يقتصر على النخبة.
لدى أشقائنا التونسيين ما ينقلونه ويبشرون به عربياً وعالمياً، وهي الآن وغداً فرصتهم لنقل التجربة عربياً بشكل خاص؛ في ظل أهمية الربط سياسياً بما هو اجتماعي في علاقات البشر هنا.
ولعل وضع المرأة بشكل خاص يعني الكثير للعدالة، ولعل مباركة الشعب لهذه الاتجاهات يعني ضمان الاستقرارين الاجتماعي والسياسي.
إن وضع المرأة بشكل خاص هو الحضارة في أهم جوانبها.
إنه التأسيس الثقافي والاجتماعي، الذي يضمن السلم الاجتماعي حتى لو تعرضت البلاد لأزمات سياسية، حيث يصير الوعي محصناً للشعب، وداعماً له.
فلسطينياً بيننا الكثير، لعلنا نعود قديماً إلى الفينيقيين التجار أحفاد الكنعانيين الفلسطينيين المزارعين، الذين بنوا حضارة هنا، وكيف على أرض تونس التقت حضارات الشرق والغرب، ومعاصراً، باحتضان تونس الحبيبة للثورة الفلسطينية بعد رحيل بيروت.
وأخيراً، سعدنا بشكل خاص، بتولي الدكتور سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، ترؤس البعثة الدولية لمركز كارتر لملاحظة الانتخابات في الشقيقة تونس، بكنعاني آخر أصيل، يسير على درب من مروا من هنا، لتفعيل هذا التلاقي القومي والإنساني.
جميل هنا الحضور الفلسطيني، والذي سيكون ضمنه أجيال من شباب فلسطين والعالم العربي، بما في ذلك من دلالة تعميق الاتجاهات الديمقراطية العربية.
الخضرااااء!
لعل تجاوز قواعد الإملاء هنا ينبع من المحبة أو البلاغة..أو كليهما معاً..
ولربما ألف واحدة تكفي..من منطلق أن البلاغة العميقة لا تتعلق بالمستوى الصوتي أو البصري، بل بما هو جوهر ومضمون.
لتونس اليوم وغداً ليس ما تفخر به بين الشعوب والأمم، بل بما يجعلها تستأنف بقاءها الإبداعي، من أجل الإنسان في تونس، انه المصلحة الوطنية العليا، ولعل توازن الخلاص الفردي والشعبي، يكون مفتاح الاستقرار، كأرض خصبة، يقطف أهل تونس ثمرها في جميع مجالات الحياة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز