أيام قليلة وينقشع الضباب

  • الخميس 2019-09-12 - الساعة 09:05
بقلم: عبد المجيد سويلم

حادثة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة أثناء إلقاء نتنياهو لخطابه في مدينة أسدود، ومغادرة نتنياهو للمكان و»الفرار» من المدينة على وجه السرعة، استحوذت على اهتمام وسائل الإعلام، وأيضاً القوى السياسية كلها في إسرائيل وفلسطين، وحتى في العالم كله.
وألقت الحادثة بظلال كثيرة على المشهد الانتخابي، وعلى الكثير من تعقيدات الوضع في القطاع.
فبالرغم من عدم «تأكيد» الجهة التي قامت بالقصف، إلاّ أن حركة «حماس» ليست «بكل تأكيد» هي الجهة التي قامت بذلك.
أبلغت «حماس» الوسيط المصري بصورة جلية أنها ليست مسؤولة عن هذه الصواريخ، ووصلت الأمور عند الدكتور الزهار إلى اتهام علني لـ «سلطة رام الله» وسعيها لإفشال....!! التهدئة.
وبما أن إطلاق تلك الصواريخ هو «مؤامرة» لإفشال التهدئة، فهذا يعني على الأقل أن حركة «حماس» قد بدأت بالفعل تفقد السيطرة الأمنية على القطاع، وأن لا أمل مطلقاً في «ثبات» التهدئة، وأن المراهنة عليها لم يعد لها من رصيد حقيقي.
وبات ممكناً بالفعل أن يتم جرّ القطاع إلى حروب متتالية، وإلى تقلبات مباغتة في هذه «التهدئة» وليس على وقع مصالح وتوجهات حركة «حماس» بكل تأكيد.
ومن بين هذه الظلال الكثيرة، أيضاً، أن نتنياهو نفسه لم يعد قادراً على التحكّم الفعلي بمعادلة التهدئة مقابل الهدوء، ولا بمعادلة التهدئة مقابل «تخفيف الحصار»، ولا حتى بمعادلة تجنّب الحرب.
والحقيقة أن نتنياهو وكل القوى السياسية الفاعلة في الخارطة السياسية الصهيونية من يمينها ووسطها ويسارها باتوا على نفس الدرجة من فقدان التحكم، ومن الوصول إلى قرارات حاسمة حول مستقبل العلاقة مع القطاع.
هذا كله على المدى المباشر.
أما في المدى المنظور، وبعد اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وتحديد هوية الحكومة القادمة، فقد أصبح مرجحاً للغاية أن يتم حسم هذه العلاقة باتجاه يُفضي إلى «حل» جذري ونهائي.
لكن حادثة إطلاق الصواريخ لها ظلال أكبر وأهم.
فقد «نطق» نتنياهو بالمكنون الذي ستتضمنه وثيقة «صفقة القرن».
لم يعد الآن من شك أن الإدارة الأميركية موافقة على ضم المستوطنات (الكبيرة على أقل تقدير)، وعلى فرض السيطرة على غور الأردن بما في ذلك البحر الميت كاملاً.
أما أقصى ما يمكن أن يذهب إليه الموقف الأميركي هو اعتبار الأغوار كاملة منطقة للسيطرة الأمنية وليس لفرض «السيادة» الإسرائيلية عليها وتطبيق القوانين الإسرائيلية فيها. أما نتنياهو فهو «عازم» على فرض «السيادة» على هذه المنطقة، وهو بالفعل يعرف حدود الموقف الأميركي، ويعرف «الخبايا» الكامنة في الصفقة الأميركية.
أجّلت الإدارة الأميركية الإعلان عن مشروعها «للحل» مرّات ومرّات، بانتظار رؤية الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وعمّا ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية، لأن الإدارة الأميركية ليست متيقنة من نجاح نتنياهو بالرغم من عملها الدؤوب على ذلك، وهي تخشى من أن سقوطه سيؤدي إلى زعزعة هذا المشروع بالكامل، وهي مترددة في تحديد مفهوم «الضم»، ومفهوم فرض «السيادة» الأمنية، و»السيادة» الكاملة.
ولذلك فإن الإدارة الأميركية في حال سقوط نتنياهو ستعدّل على المشروع، وسيكون «التعديل» في هذين المفهومين تحديداً. أما في حال ان أعيد انتخابه وتوليه لحكومة مستقرة فإن هذا التعديل لن يكون إلاّ في الصياغات الشكلية.
ولكن وبما أن نتنياهو يواجه صعوبات كبيرة في النجاح فإن الإدارة الأميركية مضطرة لانتظار النتائج.
إذا كان ما تناقلته وسائل الإعلام عن خطاب نتنياهو دقيقاً فإنه (أي نتنياهو) أشار بصورة «عابرة» إلى كلمة الحدود، وتحدث عن «حدودنا» في سياق هذا الخطاب.
أغلب الظن هنا هو أن الإدارة الأميركية قد طلبت منه ذلك، وأنها أرادت أن يأتي نتنياهو في خطابه لكي تحسم الإدارة الأميركية الأمر باتجاه «ضم» الكتل الكبيرة وسيادة أمنية على الأغوار، وترك باقي الضفة و(غزة) للمفاوضات بما في ذلك حدود للصلاحيات الفلسطينية المقيدة في بعض أحياء القدس الشرقية. أي أن الإدارة الأميركية  «أجازت» الضم للكتل الكبيرة، و»أجازت» فرض السيادة الأمنية على منطقة الأغوار، وهي «تأمل» أن تحدد إسرائيل حدودها كدولة بعد أن يتم التوافق على الصلاحيات الفلسطينية في بعض أحياء القدس الشرقية.
لهذا كله ما هي إلاّ أيام قليلة وتنجلي الأمور، وينقشع الضباب. اللافت أن نتنياهو قد حدد سلفاً بأن الخطة الأميركية ستعلن هذه المرة بعد نتائج الانتخابات الإسرائيلية مباشرة، إلى درجة أنه تحدث عن اليوم التالي لهذه الانتخابات.
ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية على «تفوهات» نتنياهو حول «السيادة» الإسرائيلية على الأغوار لم تكن في مصلحته، ولم تكن في مصلحة كل الداعين إلى فرض هذه السيادة.
وحتى الإدارة الأميركية الآن ستجد نفسها أكثر عزلة مما كانت عليها عزلتها حتى الآن، إن هي تبنّت ما ذهب إليه نتنياهو، لكنها لن «تتراجع» عن الموافقة على «ضم» الكتل الكبيرة تحت مبرر «الفصل ما بين السكان»، وعدم الاحتكاك، وتأمين حل يتضمن مفهوم الحدود، ولكنه لا يتضمن مفهوم السيادة ومفهوم الصلاحيات ومفهوم الدولة الفلسطينية، ولكنه يتضمن حكماً ذاتياً بصلاحيات «دولة» منقوصة السيادة.
وحول هذه القضايا الأخيرة من المفترض أن تدور المفاوضات....!! ولهذا فإنها ليست أكثر من أيام وسنكتشف كم أن هذه الإدارة متورطة بالمفاهيم الصهيونية التوسعية والعدوانية، وكم هي غارقة في عوالم منقرضة لم يعد لها من وجود سوى عند بقايا مهووسي الأيديولوجيات الغابرة والعنصريات المتناثرة هنا وهناك.
لا يملك ترامب من يُقنعه بخططه البهلوانية لـ «السلام» في الشرق الأوسط، ولا يملك نتنياهو سوى عجرفة القوة والتهديد بها لاصطياد أصوات اليمين في إسرائيل.
وفي ظل غياب العرب، وشرذمة الفلسطينيين، وعجز المجتمع الدولي عن الردع يستطيع نتنياهو أن يتبجّح، وأن يشتري ويبيع، وأن يُعلن نهائياً عن موت السلام في هذا الإقليم كله، وعن حروب وحروب ستمتد لعشرات السنين القادمة.
ويستطيع ترامب أن يُغدق على صديقه نتنياهو وعلى كل أترابه في إسرائيل المنح والهدايا والجوائز على حساب الحقوق الفلسطينية ومن لحم ودم الشعب الفلسطيني، لكن ترامب ونتنياهو معاً لا يملكان القدرة على فرض أي شيء حقيقي من شأنه التحول إلى واقع مقبول وإلى تعايش من أي نوع كان، وكل ما يملكانه معاً هو وضع هذا الإقليم على فوّهة النار فقط.
من سوء حظ إسرائيل وصديقها ترامب أن النار ستأتي على الجميع وعليهما معاً قبل الآخرين.
نصف مجنون واحد كان يكفي لإعادة إشعال هذه المنطقة، فكيف سيكون عليه الحال وأننا أمام دستة من هؤلاء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز